دليل المدونين المصريين: المقـــالات - رئاسة "مرسى".. إستكمال للثورة أم للقوى المضادة ؟!
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     ديسمبر 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: السياسة والرأي
    رئاسة "مرسى".. إستكمال للثورة أم للقوى المضادة ؟!
    الدكتور محمد رؤوف حامد
      راسل الكاتب

    وربما فى نهاية هذا الطرح يجدر جذب الإنتباه, وبصوت عال, الى أن مصير إستمرارية الثورة ومقاومة القوى المضادة, فترة رئاسة "مرسى", يتوقف على قدرة الوطنيين المشغولين بالثورة من المفكرين, ومن القوى السياسية, على التفاعل ب"جماعية" مع متطلبات الثورة, من إستحقاقات
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?2441
    رئاسة "مرسى".. إستكمال للثورة أم للقوى المضادة ؟!
    (مقتطف)

    يهدف هذا الطرح الى تناول إشكاليتى "إستمرارية الثورة" و "إستمرارية القوى المضادة للثورة" فى ظل السياقات الجارية فى الشارع السياسى, وذلك من منظورين.

    المنظور الأول يختص بالسلبيات التى حدثت تجاه الثورة, وأدت الى إنحرافها عن مسارها المفترض.

    وأما المنظور الثانى فيتوجه الى التأمل (الإستراتيجى) فى متطلبات إستكمال  الثورة, والمقاربات الممكنة لتمكينها.

    فيما يتعلق بالسلبيات يشير الطرح المقدم الى العاب (أو مباريات) سياسية كانت دخيلة على حالة الثورة, وتتضمن:

    * تصرفات من "الإخوان".
    * حيودات من كافة (أو معظم الفصائل السياسية) تمثلت فى: الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة - الشواش المنظم - البقرطة السياسية للثورة-  تقييد الحاضر بالذهاب الى الماضى ومنع التوجه الى المستقبل.

    وأما عن إستكمال الثورة, فإن الطرح المقدم يجذب الإنتباه الى عدد من الإعتبارات والمفاهيم, التى يمكن أن تكون محورية, وتتشكل من:

    * تجنب الخوف من الديمقراطية.
    * التفكير العلمى والحوار.
    * الوطنية .. الإطار المرجعى الأعلى.
    * التحضر.
    * الممارسة السياسية الجيدة.
    * تجنب (ومقاومة) مايُدعى بالفوضى الخلاقة.
    * تصميم المسار الثورى وتحديد سقف الثورة.
    * ثورة المفكرين.
    * الثورات التى ستكون.

    هذا, ويختتم الطرح المقدم بالإشارة الى عدد من الإعتبارات أو الرؤى العامة, والتى تتعلق بأخلاقيات و أحكام التغيير (الثورى) فى ظل البيروقراطية السياسية التى تدير البلاد الآن. وكمثال, تتطرق هذه الإعتبارات الى قضايا مثل التعامل مع الخارج, وجماهير الدين السياسى, والعلاقة بين البيروقراطية السياسية الجديدة وشارع الثورة, و الحاجة الى "الجماعية".

    وبوجه عام يمكن القول أن الدراسة الحالية تشير الى منهجية "الإحتراس الوطنى" كضرورة للحفاظ على إمكانية المسار الثورى, وإنجازه. ومن بعد ذلك دخول البلاد الى منهجية "الممارسة السياسية الجيدة" Good political Practice.

    تمهيد


    منذ تنحى مبارك, وحتى اللحظة الراهنة , تسطع حقيقة على درجة عالية من الأهمية و الخطورة, فيما يتعلق بحركيات الثورة, وتحديدا بخصوص عمليات إستكمالها ومقاومة القوى المضادة.  تتمثل هذه الحقيقة فى إنتهاج معظم الكوادر والقوى السياسية الوطنية طريق التضارب فى الآراء والتوجهات والمواقف.
     
    ذلك بحيث تحولت خطاباتهم وأفعالهم بشأن الثورة – فى كثير من الأحيان – الى مايشبه "الصراخ والصراخ المضاد".
     
    وبينما كان الصراخ يتفاقم بين كوادر النخبة السياسية, فى وجه (وفى ظهر) بعضهم بعضا, كانت الثورة تُشرخ, وتتجزأ, وتتفتت.

    لقد تزايد هذا الوضع المدمر تصاعدا وتفاقما الى حد أن  كادت الثورة تتلاشى تحت بصر (وبمساهمة صريحة من) غالبية المشغولين والمهمومين بها والمدافعين عنها, فرادى, و جماعات وأحزاب.
     
    وإذا كان قد حدث فى زمن سابق أن جرت إشارات وأطروحات مستقبلية (فى 2006) بأن الشارع السياسى المصرى يقترب من "نقطة الإنعطاف", والتى يكون ما بعدها فى إتجاه مضاد لما كان قبلها, ثم إشارات وأطروحات مستقبلية أخرى (فى 2007 ) بأن البلاد تقترب من تغيير سياسى كبير يُتوقع حدوثه فى الفترة 2009 زائد أو ناقص عامين (وهى مساهمات يمكن الرجوع اليها فى " ثورة 25 يناير: من أين والى أين؟ - سلسلة إقرأ – دار المعارف 2011"), فلقد باتت الأوضاع الجارية حاليا فى شارع الثورة تتطلب جذب إنتباه القوى السياسية الوطنية بأن فى إستمرارية سلوكياتها بطريقة الصراخ إحداث شرخ للبلاد, وليس فقط ماجرى من شرخ للثورة.

    من هذا المنظور تكون الحاجة حادة وماسة للنظر (أو التأمل) الإجمالى (الهادىء والمسؤل) فى كافة أمور الثورة, منذ بزوغها وحتى الآن, وبحيث يمكن أن يقود هذا التأمل (الإستراتيجى) الى الحس بالمستقبليات المحتملة والممكنة (للثورة), طبقا لظروف وبيئة اللحظة, والتى تتميز بكونها تشهد أول فترة رئاسية ناجمة عن الثورة.

    هذا هو مايجتهد الطرح الحالى فى تقديمة, مع القناعة التامة بأن الإجتهاد الفكرى الجماعى هو الأكثر كفاءة, وقوة, وصلاحية.
     
    (1) فى ضرورات الإحتراس الوطنى:


    "الإحتراس الوطنى" فيما يتعلق بالرئاسة, هو أمر يختص بالصالح المصرى القومى العام بأكثر مما يتعلق بشخص الرئيس, والذى له كل الإحترام والتقدير كرمز للبلاد, خاصة وقد جاء من خلال الصندوق الإنتخابى.  وذلك بصرف النظر عن الملابسات التى أتت بالإنتخابات, كفعل دخيل على الثورة, وقبل إستكمالها.

    أما عن الأسباب الخاصة بالحاجة الى "الإحتراس الوطنى" فهى عديدة.

    أحد هذه الأسباب يأتى كدرس (أو كعبرة) مما جرى للبلاد تحت رئاسة مبارك.

    فى هذا الخصوص, يُذكر أن قد حدث, بعد أيام من تولى مبارك للرئاسة (1981), أن شابا أكاديميا قد طرح على مجموعة من الكُتاب والمفكرين السياسيين وقتها  ضرورة وجود ضغط سياسى وطنى عام على الرئاسة, فى إتجاه صياغة وإنجاز المصالح العليا للبلاد.  كان هذا الإقتراح يرمى الى ضمان عدم إنحراف "مصر" عن التنمية الوطنية والتقدم.  وذلك كدعم للرئيس (فى حالة إستقامة رؤيته), حماية له وللبلاد, إذا ما كانت هناك ضغوط سلبية واقعة (أو يمكن أن تقع) عليه, سواء من الداخل أو الخارج.  ذلك فضلا عن حماية البلاد من ضعفه, أو حيوداته, فى حالة أى إنحراف بالسلطة.

    كان الرئيس (مبارك) وقتها, كما بدا للجميع, وطنيا فذا, طيبا وصادقا, الأمر الذى جعل الكُتاب والمفكرين السياسيين المشار اليهم يستنكرون (وربما يستصغرون) رؤية هذا الشاب الأكاديمى بشأن ما طرحه كضرورة فى التعامل مع الرئاسة.

    كانوا يرون بوجوب التمهل والإنتظار, لإعطاء فرصة للرئيس, و/أو حتى تتضح معالم رؤاه وسياساته فى أرض الواقع.

    غير أن الزمن مضى, شهرا وراء شهر, ثم سنة بعد أخرى, والرئاسة (المباركية) تنحرف تدريجيا, حتى أوصلت البلاد الى تزاوج السلطة بالمال, والى التشبع بالفساد, ومن ثم, تجريف للتنمية وللديمقراطية على مدى ثلاثة عقود كاملة.  وفى النهاية, إخضاع البلاد لترتيب قسرى شرس (وعنيف) من أجل التوريث.

    إنه إذن درس تاريخى عظيم يأتى من زمن النظام السابق.

    (2) ألعاب (أو مباريات) سياسية دخيلة على حالة الثورة:


    كان من الممكن أن يُكتفى بهذا الدرس, للأخذ بالإحتراس تجاه الرئاسة, لو أن هذه الرئاسة كانت قد بزغت كإمتداد (وفى سياق) تواصل فى التطبيق الديمقراطى على مدى رئاسات سابقة, و كما الحال فى بلدان أخرى مثل إنجلترا, أو فرنسا, أو الهند, أو – حتى –  البرازيل وجنوب أفريقيا.

    أما وأن رئاسة "مرسى" قد جاءت, وفقط, فى أعقاب (أو كأحد تداعيات أو مخرجات) ثورة شعبية, فإن ضرورات الإحتراس تتزايد تضخما وعمقا, طبقا لطبيعة الملابسات (والحركيات) التى أنتجت (أو أدت الى) هذه الرئاسة.

    فى هذا الخصوص, يمكن تصنيف العوامل الباعثة على ضرورة الإحتراس الى نوعين. نوع  يختص بتصرفات الفصيل السياسى الذى دفع بالرئيس الى مسار كرسى الرئاسة, أى "الإخوان". ونوع آخر يختص بالمنهجيات التى إنحرفت بالثورة عن مسارها المفترض.

    فيما يتعلق بتصرفات الفصيل السياسى المشار اليه, وهو الإخوان, يمكن جذب الإنتباه الى مايلى من بعض الجزئيات (كأمثلة):

    * دخول الإخوان الى المسار الرئاسى من خلال منحى يمتلىء بالتناقض. يتمثل بعض هذا التناقض, كما هو معروف, فى الرجوع عن ماكان قد أعلنته الجماعة من عدم الترشح للرئاسة, وكذلك غلبة الشكل الدينى الدعوى فى إعلان الجماعة عن مرشحها الرئاسى الأول ("الشاطر"), بمعنى تداخل الدينى مع السياسى, والسياسى مع الدينى. ذلك إضافة الى مسارعة الإخوان للإعلان عن مرشح بديل, إذا ماتعذر قبول ترشح المرشح الأول.  

    * مواقف لها شكل سلبى من جانب الإخوان تجاه بعض حركيات ثورة 25 يناير.

    * ما قيل, ومابدى, بشأن مقاربة خصوصية بين الجماعة والسلطة, وقت الثورة, وبعيدا عن أطراف المشهد الثورى (أولا مع عمر سليمان كنائب للرئيس السابق, ثم مع المجلس العسكرى).

    * ما ظهر من مغالبة إستحوازية لأدوات السلطة (البرلمان/ الجمعية التأسيسية للدستور/ الرئاسة/ كراسى الوزارة ... الخ), مما يمكن إعتباره إنقلابا إخوانيا على حالة الثورة.   

    (3) منهجيات الإنحراف بثورة 25 يناير:


    أما مايتعلق بالنوع الثانى, والذى يختص بالمنهجيات التى إنحرفت بالثورة عن مسارها المفترض, فلقد تشكلت هذه المنهجيات, وتضخمت, ولازالت تتضخم, بفعل حيودات وسلبيات من جانب كافة أطراف الشارع السياسى للثورة, وعلى رأسهم "الإخوان", بالتشارك مع بقية قوى النخبة السياسية, و مع المجلس العسكرى.

    تأخذ هذه المنهجيات عدد من الأشكال (والحركيات) الرئيسية, والتى كنا قد نبهنا اليها, فى أوقات سابقة, وقبل وقوعها ( يمكن الرجوع الى كتاب الكترونى- 25 يناير: أصالة شعب وضبابية نخبة – 24 مايو 2012).

     ذلك بمعنى أن هذه المنهجيات كانت قد جاءت, من الناحية العملية, فى سياقات (وكإمتدادات ل) مايمكن إعتباره قدر من "المأسسة للإنحراف" عن المسار المفترض للثورة.

    تتشكل هذه المنهجيات (و/أوالحركيات) الرئيسية, كما يلى:

    • الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة.
    • الشواش المنظم.
    • البقرطة السياسية للثورة.
    • تقييد الحاضر بالذهاب الى الماضى ومنع التوجه الى المستقبل.

    (4) الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة:


    منذ الأسابيع الأولى للثورة, جرى جذب الإنتباه الى أن القوى المضادة للثورة (داخليا وخارجيا)  لايمكن لها أن تتعاظم قدراتها, وتصير فاعلة, إلا فى حالة تراخى (ورخاوة) القوى الوطنية المشغولة بالثورة والمتعاطفة معها.

    فى هذا الخصوص, كانت المناداة قوية ومتكررة بضرورة تشكيل رأس قيادية جماعية لإدارة إستكمال وحماية الثورة. وذلك بمعنى أن تمثل هذه الرأس المجلس القيادى للثورة, وأن تكون المليونيات بمثابة جمعيتها العمومية.

    ولكن, ماحدث, هو أن إنحرفت القوى السياسية (والثورية), بكافة فصائلها تقريبا, عن مسار تشكيل قيادة جماعية للثورة, وعن مأسسة الثورة. لقد إنصاعت هذه القوى للتفتت وللمطامح (أو المطامع) الخصوصية, الأمر الذى تم تنفيذه على بساط مايمكن إعتباره "مذبح الثورة", والمتمثل فى إستفتاء 19 مارس, والمتبوع بتسريع الذهاب الى الإنتخابات, بشقيها البرلمانى والرئاسى, إستباقا لفاعليات صياغة مسار الثورة, فضلا عن البدء فى تطبيقه.

    وعليه, تبعثرت طاقات الثورة, وقوى الدفع فيها, من خلال تحالفات حزبية من أجل "الكراسى", بأكثر من أية تحالفات من أجل المسار الثورى. إضافة الى برامج للدعاية بطول البلاد وعرضها,  لمن سُموا "المرشحين المحتملين للرئاسة", بأكثر من أى جهد جماعى لمأسسة الثورة.

    وبقدر مامثّلت هذه الحيودات Deviations خروجا عن المأسسة المطلوبة لمسار الثورة, بقدر ما ولّدت تربة خصبة لإنتعاش وترعرع القوى المضادة للثورة.

    وهكذا, من الناحية العملية الصرفة, ساهمت الذات الوطنية, بتقاعساتها (وإنحرافاتها) فى دعم القوى المضادة للثورة, وذلك حتى صارت هى ذاتها, فى الواقع الصرف, بمثابة (أو أشبه ب) قوة مضادة للثورة.

    (5) الشواش المنظم:


    لقد تعرضت الثورة للتقزيم, من جرّاء حدوث تحول فى الذات الوطنية الى قوة مضادة للثورة. ولقد قُدر لهذا التقزُم أن يتزايد بحدة عبر ميكانيزمين أساسيين.

    الميكانيزم الأول يتعلق بتصاعد حاد فى معاناة المواطنين العاديين من التقلص شبه المنظم فى إتاحة بعض السلع الأساسية الحيوية.

    وأما الميكانيزم الثانى فيتمثل فى "الإمتداد الأفقى للثورة" الى إنتفاضات وإحتجاجات فئوية, بواسطة هؤلاء المواطنين العاديين, وذلك بعد أن يأسوا من أن تمتد الثورة اليهم من خلال آليات وأبنية رأسية ثورية مفترضة (ولم تتحقق), مثل حكومة ثورة, وتفريغ البلاد من الفساد, ومحكمة ثورة, ... الخ.

    وإذا كان تقزم الثورة قد نشأ أساسا من خلال تحول فى الذات الوطنية الى قوة مضادة للثورة, فإن إتمام هذا التقزم لم يكن ممكنا بغير فوضى  Chaos  , أو شواش يتشكل من تتابعات من الحيودات  Deviations (المنظمة وشبه المنظمة), والتى يأتى كل منها – الى حد كبير –  بشكل فجائى, ويكون من شأنه أن يقود الى سلاسل من حيودات تالية.

    وهكذا, تحولت حالة الثورة الى درجة عالية من اللامنظومية, أو العشوءة  ( ثورة 25 يناير .. بين عزم المليونيات ومخالب العشوءة – البديل – 18 سبتمبر 2011 ) , الأمر الذى كان من الطبيعى أن "يشرخ" الثورة , ويبعدها عن مسارها المفترض أو المنطقى, فضلا عن النيل من روحها (أى روح الثورة), والتى كانت قد تجلت فى الإرتقاء العظيم للإنتماء الوطنى النقى, ولسلوكيات المصريين, فى الفترة منذ 25  يناير وحتى إسقاط رأس النظام.

    هنا, يجدر الإطلال على أمثلة لعوامل الشواش, والتى جاءت على غرار مايلى:

    * إستحضار إستفتاء 19 مارس, كحدث دخيل على مسار الثورة.

    * قبول "العسكر" و "النخبة" (و "الأمريكان") بقيام أذرع سياسية لكيانات دعوية دينية.

    * قبول الإخوان للتواصل مع  الإدارة الأمريكية والسياسيين الأمريكان, بينما الثورة لم تكن إكتملت, و بينما شباب ميدان التحرير كانوا قد رفضوا مقابلة وزيرة الخارجية الأمريكية, وأيضا بينما لم تكن الإنتخابات البرلمانية قد بدأت بعد.

    * تجزأة الشأن السياسى الثورى بلجوء اليساريين والليبراليين الى التحالف مع مجلس الوزراء (الأحكام فوق الدستورية), فى مقابل (أو بالتوازى مع) ما قد ظهر قبلها من تحالف (أو توافق) بين الإخوان والعسكر.

    * صدور تهديدات عن الجماعة (ضد المجلس العسكرى) بالنزول الى الشارع  (فيما يتعلق بالتأخير فى الإنتخابات البرلمانية), الأمر الذى قابله المجلس العسكرى بعدها بأيام بالإعلان عن خطته الزمنية لإجراء الإنتخابات (؟!).

    * إنسحاب القوى السياسية من الشارع الفعلى للثورة, وذلك من أجل السباقات الإنتخابية, التى جرى الترتيب لها وإستحضارها - أساسا- بواسطة الإخوان والعسكر.

    * ممارسات إنحرافية مباشرة, ضد الثورة وضد شبابها, مثل سحل البنات, وكشف العذرية, ومجزرة بورسعيد, فى غيبة إهتمام حقيقى (ومؤثر) من عديد من القوى السياسية المرتبطة بشكل ما بالثورة.

    * ضياع مامضى من المرحلة الإنتقالية, دون إنجاز إستحقاقات أساسية, مثل حكومة ثورة, و محكمة ثورة (خاصة للمحاسبة بخصوص الفساد السياسى), وتطوير الإنتاج من خلال مقاومة الفساد, وذلك فضلا عن البدء المنظومى فى تفريغ البلاد من الفساد.

    (6) البقرطة السياسية للثورة:


    بعد إكتمال الشكل البيروقراطى السياسى الأعلى للدولة, بالبرلمان والرئاسة, وفى ضوء عدم إنجاز المرحلة الإنتقالية للثورة لمهامها بعد, أصبح المشهد السياسى الوطنى المصرى يتضمن شرعيتان.  شرعية البيروقراطية السياسية الجديدة, والتى تشكلت "على حساب" المسار الثورى المفترض. وذلك فى مقابل شرعية الثورة, والتى لم تبرح عزم وروئى وطموحات شباب الثورة و جزء عريض من جماهير مليونياتها.

    مايُخشى هنا هو إتجاه البيروقراطية السياسية الجديدة الى إستخدام أدواتها (من نفوذ وأنظمة وقوانين ومصالح ومُبررين) فى تحجيم حالة ومتطلبات وآفاق شرعية الثورة, الأمر الذى يمكن إعتباره "بقرطة سياسية للثورة", ويكون - بطبيعته - مولدا لعنف مضاد لعزم الثورة, ولأهلها, ولمساراتها الممكنة والمحتملة.

    من ناحية أخرى, يمكن التمنى (!؟!) بأن تكون البيروقراطية السياسية الجديدة أداة قوية وفاعلة فى إتجاه إستكمال الثورة, والتى لولاها لم يكن لوضعية هذه البيروقراطية السياسية أن توجد.

    وفى كل الأحوال, البقرطة السياسية للثورة هى "الشيطان" الذى ينبغى تجنبه والإحتراس منه, حيث بمحاولته إصطناع دوامات مضادة لإستكمال الثورة, يكون فى حقيقة الأمر دافعا الى إشعال حرائق (وفوضى) سياسية مكلفة للوطن وللمواطنين.
     
    (7) تقييد الحاضر (بالذهاب الى الماضى ومنع التوجه الى المستقبل):


     إذا كانت المنهجيات (والحركيات) السلبية الثلاث السابق الإشارة اليها (أى: الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة - الشواش المنظم - البقرطة السياسية للثورة) قد أدت فى مجملها الى إنحراف الشارع السياسى المصرى عن المسار المفترض لثورة 25 يناير, , فإنها قد أدت فى ذات الوقت الى أمر لايقل أهمية, وهو إستحضار "الدين السياسى" الى قمة الحياة السياسية المصرية العامة.

    إشكالية الدين السياسى هذه, والتى - فى الأغلب - لم يكن بزوغها صدفة, تمثل خطورة كبرى و "مركبة". وذلك لعدة أسباب, يمكن الإشارة الى بعضها فيما يلى:

    أ‌- أن الدين السياسى, والذى هو أولا وأخيرا مسألة "أيديولوجية", قد أتى فى مصر ليتبوأ السلطة السياسية بعد أن إنتهى زمن صلاحية نظم الحكم التى تتأسس على أيديولوجية بعينها.

    ب‌- أن من شأن تبؤ الدين السياسى للسلطة, فى أية دولة, إستحضار سياقات سلبية تكون هذه الدولة فى غنى عنها. وفى حالة مصر, من المحتمل أن تتضمن هذه السياقات مسائل مثل:

    *  تعريض البلاد لنار سلاسل الفتن الدينية, والتى يمكن للعدو الخارجى أن يكون له دور فى منهجتها وتزكيتها.
    *  إتاحة التبرير لشرعية هُوية إسرائيل ككيان سياسى قائم على الدين.  
    * عرقلة إمكانات وسرعات تقدم البلاد, حيث المنظور الدينى لايمكن أن يكون إلا عنصرا واحدا من عناصر التقدم الحياتى, وليس عنصرا مهيمنا على بقية العناصر (والتى من أمثلتها العلم والتكنولوجيا والصناعة والإقتصاد ... الخ).
    * إخصاب المناخات والسيناريوهات التى تعمل على تقسيم بلدان المنطقة العربية, خصوصا بالإعتماد على زرع التجزيئات, وتنمية الفتن الدينية (والمذهبية).

    ج- أن المرجعية الدينية (أو الروحية) تُعدُ نموذجا تلقائيا (وطبيعيا) لمسألة (أو نقيصة) تحديد (وتحجيم) دائرة الإنتماء (للأفراد والكيانات) على أساس أخلاقى و/أو روحى خصوصى  Moral circle  .  ذلك بمعنى الفصل أو التمييز  بين "من هم معنا (أو مثلنا)", و آخرين ممن هم "ليسوا معنا (أو ليسوا مثلنا)".

    من هذا المنظور, من الوارد أن يقود الدين السياسى الى تقليصات فى الإنتماءات يكون من شأنها الإنحدار بالأطر المرجعية للسياسات, ولعمليات إتخاذ القرار, وكذلك عمليات إختيار القيادات, الى مستويات أدنى من مستوى المرجعية الوطنية, والتى هى بالتأكيد أعلى من أية مرجعية أخرى (بما فيها المرجعية الدينية) فيما يتصل بالشأن الوطنى.    

    هكذا الوضع إذن. إنحراف عن المسار المفترض للثورة, يكون من شأنه وصول البلاد الى البيروقراطية السياسية التقليدية (رئيس وبرلمان ... الخ), بينما المرحلة الإنتقالية للثورة لم تُكتمل بعد. هذا من جانب, ومن جانب آخر, إستحضار الدين السياسى لقيادة البلاد فى سياق زمنى يختص بإستكمال الثورة, والتى هى فعل مستقبلى وطنى كلى, بينما منظومية الدين السياسى, بطبيعتها,  تُقلص التوجهات والخيارات فى أطر ودوائر أدنى, وأضيق, وأبطأ من الإطار المرجعى الوطنى, الجارى والمستقبلى.

    بمعنى آخر, يُخشى أن يكون المسار الثورى المفترض قد تبدل بمسار يلجُم الحاضر, فيقود الى الماضى, ويمنع الذهاب الى المستقبل.

    (8) إستكمال الثورة ... الإحتمالية  والإمكانية:


    الإشكالية الرئيسية, بخصوص إستكمال الثورة, لا تكمن فيما إذا كانت الثورة ستستكمل أم لا, وإنما فى أن الإستكمال سيكون بالمسار البطىء, وذلك بعد أن جرى "منع" المسار الأسرع, من خلال ماسُمى ب"مذبح الثورة". إضافة الى إنهاك حالة الثورة, ببقية السلبيات التى جرت الإشارة اليها أعلاه.

    المشكلات الرئيسية فى المسار البطىء تتمثل فى التكلفة, خاصة فى "الزمن" و "البشر".

    من هذا المنظور, ستجتهد القوى المضادة لإستكمال مسار الثورة, بكل قوتها, فى أن تزيد من تكلفة هذا المسار. ذلك بمعنى أنها ستهدف الى إبطائه (الى السرعة "زيرو") ما إستطاعت, وأنها ستعمل على الإرتفاع بحدة المعاناة النفسية والجسدية عند كل من يجرؤ على الضلوع فى إستحضار (ودفع) مسار إستكمال الثورة.

    هنا من المهم تذكُر ما جرت الإشارة اليه من قبل, فى وقت مبكر أثناء الثورة, أن القوى المضادة للثورة تتمثل فى أنواع ثلاثة. قوى الفساد الداخلى (أى أصحاب المصالح الأنانية الخاصة) وعدو خارجى (معادى لإرتقاء مصر), ثم تأتى الذات الوطنية لتكون قوة مضادة للثورة, وذلك عندما تتدنى ,وتتفتت, بالإنشغال بما هو أدنى من الإطار المرجعى للثورة (وللوطن), فتكون بذلك سامحة لإنتعاش أفعال ومخططات القوتين المضادتين الأخرتين (ثورة 25 يناير : من أين والى أين؟ - دار المعارف - 2011).

    عنق الزجاجة إذن, بشأن إستكمال الثورة, يتمثل فى "الذات الوطنية".

    من هنا يكون السؤال: هل ستقدر "الذات الوطنية" على إستكمال الثورة, وعلى شل أفعال وتأثيرات القوى المضادة لهذا الإستكمال؟؟؟

    وإذا كانت أكثر المستجدات السياسية أهمية منذ 25 يناير 2011 تتمثل فى ولوج البلاد الى بيروقراطية سياسية جديدة, بقيادة رئيس جديد, هو الدكتور مرسى, فإننا نصبح وجها لوجه , وبشكل مباشر, أمام القصد الرئيسى للطرح الحالى, والذى يتمثل فى السؤال العنوان: رئاسة "مرسى".. هل ستمثل إستكمالا للثورة أم للقوى المضادة لها؟!

    التفاعل مع هذا التساؤل بحاجة لأن يكون تأملا علميا إستراتيجيا. ذلك بمعنى أن يأخذ فى الإعتبار كافة الجزئيات والخلفيات, فى إطار علاقاتها وتأثيراتها, المحتملة والممكنة, بالثورة وبمستقبلياتها.

    الإعتبارات (و السيناريوهات) الإجرائية التى يمكن أن تنتج عن هذا النوع من التأمل (العلمى الإستراتيجى) تعتمد على إستيعاب ماجرت الإشارة اليه أعلاه, وتحديدا مايلى:

    أ‌) الدرس الذى ينبغى أن لايُنسى عن الأثر السلبى لإنبهار (أو إنخداع) القوى الوطنية المصرية بشخصية مبارك فى بداية فترة رئاسته, وما نتج عن ذلك من تجميد وتأخير لفاعلياتها فى التعامل الوطنى الرشيد مع هذه الرئاسة, مما أدى الى إنزلاق للبلاد فى مسارات متصاعدة من الفساد وإلإستبداد, لفترة زمنية طويلة.

    ب‌) ما قد مورس من القوى السياسية (بعضها أو جميعها) من تقاعس (أو التفاف) كان من شأنه, بشكل مباشر أو غير مباشر, تقزيم حالة الثورة,  والسماح بتمييعها.

    ت‌) المنهجيات (والحركيات) التى تكاملت مع بعضها فى تشكيل مايمكن إعتباره قدرا من "المأسسة لإنحراف الثورة" عن مسارها المفترض (والتى تتمثل فى: الذات الوطنية كقوة مضادة للثورة - الشواش المنظم - البقرطة السياسية للثورة - تقييد الحاضر بالذهاب الى الماضى ومنع التوجه الى المستقبل).

    وهكذا, تكون عملية إستكمال الثورة مرهونة - الى حد كبير- بالطريقة التى ستتفاعل بها البلاد (مواطنين ومفكرين وقوى سياسية ودولة), فى ظل رئاسة "مرسى", مع متطلبات المسار الثورى.

    بمعنى آخر:

    هل ستنجح البلاد, فى أول فترة رئاسية بعد الثورة, أن تتوصل الى "رسم للمسار الوطنى المفترض للثورة"؟  وهل ستكون هناك آليات وطنية قادرة على الدفع الى تطبيق مسار الثورة, ومنع تعرض هذا المسار للمناهج والحركيات التى سبق وأن إنحرفت بالثورة؟
     
    (9) شكل إستمرارية الثورة فترة رئاسة "مرسى":

     
    المقصود ب "شكل إستمرارية الثورة" هو مايمكن أن تكون عليه حركية الأشياء (و/أو الحادثات) الخاصة بالمسار الثورى. وذلك من حيث طريقة الوصول اليها, وإنجازها, وتتابعاتها.

    هذا مع الأخذ فى الإعتبار أن "الحركية" (فى المسار الثورى)  تكون ناجمة عن إرتباط الذهنية والمصالح بالشأن الوطنى العام, وتكون قاصدة المستقبل لإستحضار أفضل مافيه الى الحاضر (لتفاصيل أكثر يمكن مراجعة دراسة بعنوان  "شكل الزمن الخاص بثورة 25 يناير" الوعى العربى / ودليل المدونين المصريين - 21 مايو 2012).

    فى هذا الخصوص يوجد عدد من العناصر الحرجة  Critical , التى تحتاج للطرح وللحوار المنهجى.  وفيمايلى تناولات موجزة لتسعة منها:

    أولا ) تجنب الخوف من الديمقراطية.

    هنا, نرجع الى عبارة وردت فى مقال "الإطار المرجعي والخوف من الديمقراطية", والذى كان الجزء الرابع من دراسة بعنوان "سر 2007" (البديل – 20 أكتوبر2007)  وهى الدراسة التى أشارت لأول مرة الى الدورة الزمنية للتغيير فى مصر, وتنبأت بقدوم التغيير السياسى الكبير, أو الثورة, فى التوقيت التى قُدر لها أن تحدث فيه بالفعل.

    تقول هذه العبارة: [[... وأما الأمر الثالث المتعلق بالإطار المرجعي فهو ضرورة وجوب عدم الخوف من الديمقراطية. من بين ما يدفعنا إلى الاعتقاد بذلك ، ان "القدرة الاحتجاجية " التي وضح نضجها وتناميها عند طلائع المثقفين والعمال والمهمشين ، هي الحامية الضامنة ضد تسلط اى فصيل سياسي بأى خلفية أو مرجعية (سياسية أو دينية أو مالية..).  لقد وصلنا بالفعل فى مصر ، بعد نقطة الانعطاف والحركات الاحتجاجية ، إلى عتبة يصبح فيها الخوف من الديمقراطية عملا مضادا لها ، ومضادا للصالح الوطني المستقبلي العام.

    من هنا تتأصل الأهمية التاريخية للاستيعاب الإيجابي للتوجهات الاحتجاجية فى الشارع السياسي المصرى 2007.

    إنه استيعاب لا يكون أبدا بالمنع والتجريم، ولكن بالإتاحة والتمكين . إتاحة الفرصة للتوافق الفكرى الوطني من أجل بناء إستراتيجية للاستنهاض الوطني الشامل ، تقوم على التفعيل الديمقراطي، وتستهدف تمكين الإنسان المصرى العادى ، والذى هو – بالفعل – سر الدورة الزمنية للتغيير ، وبالتالى هو "سر 2007" ...]].

    وإذا كانت هذه العبارة, والتى ذُكرت أثناء نظام مبارك, قد طالبت بعدم الخوف من الديمقراطية, وقت ما كان معروفا عن إستخدام "الإخوان" كفزاعة ضد الديمقراطية, فمن الضرورى الرجوع الى طرح ذى صلة, ورد حديثا (بعد الثورة), قبيل إستفتاء 19 مارس 2011.

    كان هذا الطرح فى مقال بعنوان "مستقبل مصر بين داروينية الإخوان وديمقراطية الثورة", وهو متاح ضمن الكتاب الكترونى (المشار اليه أعلاه).  فى هذا المقال جاءت العبارات التالية:

    * [[... بمعنى آخر, فإن جوهر موقف الإخوان بالنسبة للإستفتاء يتمثل فى التمسك بفرصة البقاء للأقوى (كما تقول الداروينية), والتى تتجسم عندهم  فى الإسراع بالإستفتاء, وبنعم, وبالإنتخابات البرلمانية, والتى ستكون لصالحهم (من منظورهم ومعهم السلفيين). وذلك بصرف النظر عما يُعتمل فى الساحة الوطنية من إجتهادات, ومقاربات, ومحاولات, من أجل "إبداع" أو "إعادة بناء" الشارع السياسى المصرى , بعد أن أصيب بالإتلاف, وبالعطب المزمن, على مدى عقود...]].

    * [[...فى هذا الخصوص يستحق الأمر جذب الإنتباه الى نقاط, ربما لن ينساها التاريخ عن الفترة الراهنة :

    • أن التوجه الداروينى للإخوان جاء متلائما - من الناحية العملية - مع التوجه المحافظ (أو المضاد للثورة) من جانب بقايا النظام, الذى يجرى خلعه بعد أن تم إسقاط  رئيسه.

    • أن الذخيرة الواقعية التى إعتُمد عليها فى هذا التوجه الداروينى لم تكن فعلا إبداعيا, بل كانت التدنى المفرط للثقافة السياسية لقطاع غير صغير من الجماهير, وذلك بحكم عوامل الأمية الأبجدية, والأمية الثقافية العامة, فضلا عن الفقر (بتداعياته).

    أنه بينما كانت مصر الثورة مشغولة بتعظيم التحولات والإبداعات الخاصة بترجمة الثورة الى واقع معيشى, فإن الإخوان (ومعهم السلفيين) كانوا أكثر إنشغالا بأمر آخر محتمل, يتمثل فى نصر سياسى براجماتى ممكن و محافظ وضيق ...]].

    * [[... ربما يكون الأكثر أهمية, كتداعيات ناجمة عن فهم ملابسات داروينية موقف الإخوان والسلفيين بخصوص الإستفتاء, هو إدراك القيمة القصوى للديمقراطية, والتى تكاد تكون لانهائية فى موضوعيتها وفى محتواها, وكذلك فى تأثيرها على المستقبل ...]].

    * [[...وهكذا, الماكينة الوطنية للديمقراطية الحقيقية تتجنب إستخدام نقاط ضعف المواطن كفرصة, وتعمل على "تمكينه" من التفكير وإتخاذ القرار والعمل بطريقة سليمة]].

    وعليه, مع إعادة التأكيد على صحة ماجرت الإشارة اليه قبل الثورة, من وجوب عدم الخوف من الديمقراطية,.. إتضح , فى ضوء خبرة ثورة 25 يناير,  ضرورة الإنتباه الى الحاجة لتشحيم الماكينة الوطنية للديمقراطية.

    ثانيا) التفكير العلمى والحوار.

    الثورة, كعملية, هى حدث تغييرى أصيل. ولايمكن لحدث تغييرى أن يكون أصيلا, أو أن يرتقى الى الأصالة, إلا بالإستناد الى التفكير العلمى.

    من جانب آخر, لايستقيم التفكير العلمى إلا بالحوار.

    وبخصوص الأمرين معا, التفكير العلمى والحوار, فلقد غابا عن مسار ثورة 25 يناير, منذ مابعد لحظة إسقاط مبارك.

    ليس ذلك فقط, بل إن ال Methodology   , أو الطرائقية (أو المنهجية), والتى هى إعتبارات علمية/عملية أصيلة, قد غابت تماما عن تعاملات القوى السياسية الوطنية مع متطلبات الثورة.

    هنا يمكن القول بلا أدنى تردد أن جماهير المواطنين العاديين الذين أسقطوا مبارك بمليونياتهم, كانوا (وبتلقائية وفطرة وطنية صادقة) أكثر علمية من كافة كوادر وقوى النخبة السياسية التى هيمنت على شارع الثورة.

    لقد تمكنت هذه الجماهير من إنجاز "جماعية" لم تستطع النخبة السياسية الوطنية أن ترتقى الى إنجاز شيئا على غرارها. ذلك بينما القيادة الجماعية للثورة (والتى لم تتحقق) كانت تمثل المنحى الطبيعى (وربما الوحيد) الذى كان من الممكن له  أن يضع البلاد على المسار الثورى الأكثر سلامة وفاعلية [يمكن, فى هذا الخصوص, الرجوع الى  مزيد من التفاصيل فى عدد من المقالات عن الرأس القيادية الجماعية للثورة, وكذلك عن الإرتقاء الحلزونى لحالة الثورة ,وجميعها وردت فى الكتاب الإلكترونى المشار اليه أعلاه. وكذلك يمكن الرجوع الى دراسة بعنوان "مشهد الثورة: تحليل ثقافى علمى" (فى كتاب ثورة 25 يناير.. من أين والى أين؟ - سلسلة إقرأ – دار المعارف - 2011)].

    ثالثا) الوطنية .. الإطار مرجعى الأعلى.

    يمكن القول بأن جماهير الثورة الشعبية المصرية, كانت جميعها, فترة الثمانية عشرة يوما التى أدت الى إسقاط رأس النظام (مبارك), تتصف ب (وتتفاعل من خلال) إطار مرجعى رئيسى واحد, وهو الثورة (أو الوطن). حيث إنعدمت التأثيرات الخاصة بالأطر المرجعية الأدنى, مثل الخلفية الدينية أو الأيديولوجية, أو الجنس (ذكر وأنثى), أو العمر, أو الخلفية الجغرافية أو العرقية ...الخ.

    وأما بعد ذلك , أى بعد لحظة إسقاط مبارك, فقد تنوعت الأطر المرجعية طبقا لتنوعات (وإفتعالات) ذهنية ومصلحية خاصة, كان قد جرى إستحضارها وممارستها بواسطة جماعات وأفراد من القوى السياسية (أوالنخبة), وكذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

    لقد كان الإرتقاء الى الوطن كإطار مرجعى, طوال ال 18 يوما الأولى من الثورة, بمثابة معجزة تاريخية خارج كل التوقعات. ولقد ثبت أن هذا الإرتقاء كان كفيلا بأن يصفى من التناقضات بين الأطر المرجعية الأدنى (مثل الدين السياسى و الخلفيات الأيديولوجية ...الخ), الأمر الذى لم يستمر طويلا بسبب إصرار من عديد من القوى السياسية وقياداتها, بأنانية أو بعدم فهم, على الرجوع الى أطرها المرجعية الخاصة. والتى هى أدنى من الوطن والثورة.

    وهكذا, كان من شأن التدنى عن الإطار المرجعى المتمثل فى الثورة (أو الوطن), أن شهد شارع الثورة المصرية مايمكن إعتباره "مأسسة للإنحراف عن الثورة", بأشد كثيرا مما يمكن إعتباره مأسسة للثورة ذاتها, مما أدى الى ضياع الزمن الذى مضى من المرحلة الإنتقالية, فضلا عن الخسائر البشرية من الشهداء والمصابين.
     
    رابعا) التحضر.

    لأن الثورة تهدف الى التقدم , تقدم مصر وطنا وشعبا, فإن من واجبات البيروقراطية السياسية (الممثلة فى البرلمان والرئاسة), والتى أتت كجزء من تداعيات ثورة 25 يناير, أن تمارس مسؤليتها فى إستحضار البلاد فى الفترة الإنتقالية من الثورة (والتى هى الآن فترة رئاسة مرسى) الى الطريق الذى يصنع هذا التقدم.

    النسيج الرئيسى لهذا الطريق هو "التحضر الوطنى".

    أما عن "التحضر الوطنى" ذاته, فإنه يظهر (أو يُحس به) من خلال  علاماته ومخرجاته, والتى تتجلى - أساسا - فى وجود حالة مستمرة من التصاعد فى القيمة المضافة على المستوى الوطنى. إنها حالة تعطى شكلا جديدا (أوحركية جديدة) للزمن.

    القيمة الوطنية المضافة هذه, تنشأ بواسطة ممارسات منظومية لكافة المواطنين والمؤسسات, وتكون ثمارها لصالح المواطنين جميعا, والوطن, ومستقبله. وذلك بما يسمح دوما بالإبتكار, وبإعادة التنظيم والتطوير, وطنيا ومؤسساتيا وفرديا (أى بالإزدهار الحضارى و بالتقدم).

    السؤال الذى يهمنا هنا إذن عن التحضر, كنسيج يُصنع منه التقدم, هو عن كيفية التوصل الى هذا النسيج.

    فى هذا الخصوص, وفى إيجاز شديد, يمكن القول بأن التحضر يأتى كنتيجة للوجود الحى وللتفاعل الثنائى البينى لشيئين, وهما : 1) الحرية  Freedom  ,  و 2) المنظومية  Systemization .

    فى غياب أى من الحرية, والمنظومية, والتفاعل الإيجابى بينهما, يتضائل التحضر, وتتآكل ديناميكياته, ثم تهرب فرص وإمكانات التقدم, ويتعاظم التخلف.

    من ناحية أخرى, قدر جودة التفاعل الثنائى البينى لكل من الحرية والمنظومية, هو المميز لقدر تقدمية الإزدهار الحضارى.

    تجدر هنا, فى هذه العجالة, الإشارة السريعة الى طبيعة عنصرى هذا النسيج (أى التحضر), وهما الحرية والمنظومية, و كذلك الإشارة الى تنوعات الإزدهار الحضارى (أو التقدم) الناتج عن التفاعل الإيجابى بين هاذين العنصرين.

     يمكن النظر الى الحرية بإعتبارها ممارسة التفكير, أو  التصرف, أو الإختيار, بإستقلالية. أى فى غياب ضغط  ما. وكذلك يمكن النظر الى المنظومية بإعتبارها الإستمرارية والنمو (أو التنامى) للكيانات, من خلال (وبالإعتماد على) الأداء السليم لوظائف (ولحركيات) المنظومة.

    من ناحية أخرى, يمكن القول بأن الحرية توجد فى المنظومية الحقة.  تماما كما أن   المنظومية تكون كامنة فى الحرية الحقة.

    ذلك بمعنى أن المنظومية ألصحيحة تتمتع بدرجات حرية تسمح لها بممارسة الإبداع فى إستخدام الفرص والإمكانات المتاحة (عند فرق العمل وعند الأفراد ...الخ). من هنا تكون الحرية موجودة – تلقائيا - فى المنظومية, أو هى روحها.

    من جانب آخر, لايمكن للحرية الحقة أن تطغى على  المنظومية أو تلغيها, حيث يكون فى ذلك إلغاء للحرية ذاتها. أى الغاء (أو حذف) للجزء فى سياق الغاء الكل.  ذلك بمعنى, أن الحرية مسؤلة بذاتها عن الحفاظ على إطارها المرجعى المولد لها, والذى يكفل لها قوة الدفع والإستمرارية (وهو المنظومية).  

    وهكذا, كل من الحرية والمنظومية يكمن فى (أو ينتمى الى) الآخر, حتى أن الغاء أحدهما يعنى فناء الآخر.
     
    أما عن تنوعات الإزدهار الحضارى (أو التقدم), الناجم عن التفاعل الإيجابى بين كل من الحرية والمنظومية, فيمكن الإشارة الى أهمها كما يلى:

    * إحترام  الآخر, والثقة فيه, وحب التعاون معه.
    * الحفاظ على درجات حرية مناسبة لدى الأفراد والمنظومات.
    * نشر وإعمال ثقافة الإبتكار.
    * الكسب لجميع الأطراف   Win-win approach  .
    * البناء (أو التولد) الذاتى لمنظومات جديدة.
    * إحترام أنشطة الرقابة وتمكينها, كأداة سيادية الطابع , على المجتمع ككل, وبشفافية (من قمته الى قاعه). وذلك للحفاظ على التوازنات التى يكون من شأنها إستمرار توفر الحرية والمنظومية, ولتجنب إحداث تغيير فى المنظومات بغير الطرق المنظومية, حيث عندئذ يكون التغيير إنحرافا أو فساد.

    وإذا كانت مخرجات التفاعل الثنائى بين الحرية والمنظومية هى بالضبط التحضر والإزدهار الحضارى, فذلك لأنها تؤسس (بمعنى المأسسة) لما يلى من قيم ومعايير ووسائل:

    1- الشفافية.
    2- العدالة.
    3- الأمثلية (فى الأداء), وحسن إدارة الوقت والثروات.
    4- السببية (والمنهج العلمى).
    5- التقدم (والذى يمكن أن يكون بسرعة " أ ُسية ", أى متسارعة).

    وإذا كان التحضر, بنسيجه المكون من الحرية والمنظومية يقوم على "الفهم المشترك", فإن تعثر التحضر, خاصة فى ظل الثورات, بما تحمله, من إرتقاء الى الإطار المرجعى الوطنى (بجوهره النقى), يصبح وضعا مرضيا  Pathogenic.   عندئذ تكون المسألة شيئا آخر بعيدا عن السعى الى التحضر (أو التقدم), أى بعيدا عن الثورة. إنه شىء على غرار السذاجة, أو الجهل, أوالأنانية, أو المؤامرة, أو الفاشية.
    وعليه, هناك حاجة قصوى (فى ظل لزوميات الثورة) الى الإنتباه لخطورة أية عوامل تتناقض مع الحرية والمنظومية, حيث هى تتناقض مع التحضر والتقدم, ومن ثم هى - فى الإساس - تتناقض مع الثورة, ومن الواجبات الثورية الأساسية تجنبها ومقاومتها.

    خامسا) الممارسة السياسية الجيدة.

    الإدارة الناجحة للأشياء والمؤسسات والبلاد هى أولا وأخيرا ممارسات تعتمد على المقاربات العلمية, وهى فى ذلك تستفيد من كافة الأيديولوجيات وتتفوق عليها (الإدارة أيديولوجية القرن ال 21- كتاب إدارة المعرفة: رؤية مستقبلية – دار المعارف - 1998).

    من خلال هذا المفهوم يمكن للمجتمع السياسى الرشيد, خاصة فى حالة الرغبة فى التأصيل العلمى للمسار الثورى, وللمسار السياسى الناجم عن الثورة, أن يحقق التوافق بشأن معايير الممارسة (أو الممارسات)  السياسية الجيدة, والتى يمكن أن يُطلق عليها Good Political Practice.

    هذا النوع من المعايير صار شائعا فى الممارسات الإنتاجية والخدمية, ويمكن عند إبداعه فى الشأن السياسى المصرى أن يُسهم بقوة وبموضعية فى الإرتقاء الحياتى السياسى بوجه عام. إنه يتضمن – على سبيل المثال – معايير تتعلق بالشفافية, والعلانية, والتوثيق. وذلك بخصوص أشياء مثل العلاقات البينية مع الآخر (فى الداخل والخارج), والقرارات, والأفعال وردود الأفعال, ومنع الشائعات  ... الخ.  وفى هذا الصدد يمكن التذكير بإشاعة قوية, عمّت البلاد فى لحظات, وذلك عن تخطيط الإخوان لنشر الحرائق إذا ما لم ينتصر مرشحهم فى إنتخابات الرئاسة, وهو الأمر الذى قوبل ببيانات تطوعية من البعض لدرء خطر هذه الشائعات.  

    سادسا) تجنب (ومقاومة) مايُدعى بالفوضى الخلاقة.

    الفوضى الخلاقة تكون كذلك (أى تكون خلاقة), فقط لصالح من يفرضها على مجتمع ما, وذلك حتى يتمكن من يفرض هذه الفوضى أن يتدخل فى اللحظة المناسبة لفرض وضع جديد ما, والذى - فى العادة - يكون لصالح أهدافه هو, وليس أهداف المجتمع الذى تُفرض عليه الفوضى, حيث بالنسبة لهذا المجتمع تكون هذه الفوضى هدّامة (وليست خلاقة). إنها عندئذ تكون دافعة للعشوءة, من إجل زيادة اللامنظومية, وبحيث تقل درجة تحكم المجتمع فى ذاته, الأمر الذى يُسهّل التغيير طبقا لإرادة خارجية (و/أو مضادة لمصلحة المجتمع ذاته).

    بمعنى آخر, الفوضى لاتكون خلاقة إذا مافُرضت من خارج المنظومة. ربما يكون المثال الأقرب الى ذلك ماسُمى بالفوضى الخلاقة التى أحدثتها الولايات المتحدة فى العراق.

    فى نفس الوقت, قد تُفرض الفوضى بواسطة قيادة (أو مستوى قيادى) ما لمنظومة ما من أجل التمرير لتوجهات فساد و/أو مصالح خاصة داخل المنظومة, الأمر الذى يعتبر ممارسة للفساد, وخيانة للمسؤلية.

    من ناحية أخرى, يمكن أن توصف بعض التوجهات التى تتسم شكلا بالفوضى, بأنها خلاقة (أو إيجابية) إذا ما قُصد الى تنظيمها (بشفافية) بواسطة المنظومة ذاتها التى تحدث فيها الفوضى, وذلك لتحقيق هدف إبداعى معين يختص بإعادة التنظيم أو يختص بتطوير (أو إبتكار) سلعة ما. والحقيقة أن هذا هو الأصل فى تعبير الفوضى الخلاقة, والذى يقصد منه إتاحة درجات حرية أكثر من العادى, من أجل دفع عملية التغيير الإبداعى فى مجال إنتاجى أو خدمى.

    هكذا الأمر إذن. الفوضى (السياسية) عندما تُفرض من خارج المجتمع تكون توجها معاديا. وأما عندما تُمارس تجاه المجتمع بواسطة فصيل سياسى من داخله, دون شفافية وفى غياب توافق وقبول منهجى مجتمعى صريح, فإنها تمثل فسادا سياسيا وخيانة.  

    سابعا) تصميم المسار الثورى وتحديد سقف الثورة.

    الفهم السياسى الوطنى العام, منذ ما قبل إنتخابات الرئاسة, يقضى بأن فترة الرئاسة الأولى بعد الثورة هى فى الأساس فترة مكملة للمرحلة الإنتقالية للثورة, وهى المرحلة التى أخفقت فيها القوى السياسية جميعها (متضمنة الإخوان) فى تصميم مسار للثورة وتحديد سقف لها ( الثورة بحاجة الى إعادة توليد للمرحلة الإنتقالية – البديل – 18 أكتوبر 2011 /  مستقبليات المرحلة الإنتقالية بعد الإنتخابات الرئاسية- دليل المدونين المصريين – 16 /5/ 2012) .

    بمعنى آخر, لزوميات الثورة لم تتحقق حتى الآن ( ما يلزم وما لا لزوم له فى المرحلة الإنتقالية – 2 مارس 2011).

    فى هذا الخصوص, يمكن هنا الإكتفاء مؤقتا بالإشارة الى فقرة, ذات صلة مباشرة, كانت قد وردت فى مقال بعنوان  ( مصير ثورة 25 يناير.. بين عزم ” المليونيات ” ومخالب “العشوءة – البديل 18 سبتمبر 2011”), وقد جاء فيها:

    [[... أما عن “لزوميات الثورة”, فتتضمن ثلاثة واجبات أساسية.

    الواجب الأول يتمثل فى جعل المرحلة الإنتقالية مرحلة ثورية, تقوم بإنجاز الطلبات الإجرائية الخاصة بالثورة, وبالتعامل والترتيب بخصوص الطلبات الوظيفية والإستراتيجية (الأمر الذى لم يحدث, ولايمكن حدوثه بغير حكومة ثورية من كبار الخبراء المقاومين للفساد فى الزمن السابق).

    وأما الواجب الثانى فيختص بتحديد “سقف” للثورة. ذلك بمعنى تحديد التغييرات التى بتحققها تدخل البلاد الى سلاسل التطور والتغيير دون الحاجة الى ثورة جديدة (حيث لايمكن إعتبار الإنتخابات و / أو الدستور سقفا لحالة الثورة).

    ثم يأتى الواجب الثالث, ويتمثل فى التوصل الى توافق حول المسارات الخاصة بالوصول الى سقف الثورة. هذا التوافق لابد وأن يكون متناغما مع الخطوات الإجرائية الخاصة بالتحول الديمقراطى (الإنتخابات والدستور ..الخ), وبعودة المجلس العسكرى الى مهامه الأصلية.

    إنه توافق غائب لم يحدث بعد, والبرهان على ذلك – فى تقديرنا –  يكمن فى عدم وجود  إجابة محددة, عند أى من قوى الثورة أو المجلس العسكرى, تجاه السؤال التالى: “هل توجد رؤية (و/أو خطة) مشتركة, للحفاظ على التناغم (أو التوافق) فى أرض الواقع, بين لزوميات الثورة من ناحية, و مسار الإنتخابات, ومابعدها,  من ناحية أخرى؟؟؟”.

    وهكذا, مع عدم تحقق الحد الأدنى المقبول من “لزوميات الثورة”, كيف  يمكن الظن (من جانب أى طرف) بأن لاحاجة للمليونيات (أو بأن حالة الثورة واجبة الإنتهاء)؟

    خطر تبخر الثورة

    الحقيقة أن الوضع الحالى يهدد بتبخر حالة الثورة, الأمر الذى يتجسم فيما يلى من نواقص وملامح خلل:

    1)  عدم الإرتقاء المنظومى لحالة الثورة منذ بزوغها, حيث لم تنشأ قيادة جماعية للمليونيات. إنه النقص الذى ساهم فى (وسمح ب) تشوه المليونيات (بالعشوائية), وتشويهها (بالعشوءة).

    2)  غياب هدف “تفريغ البلاد من الفساد”. إنه هدف مصيرى, ولايمكن أن يُنجز إلا عن طريق كيان قومى مختص ينشأ تحت مظلة الثورة. ذلك بينما ما يجرى حاليا من تعامل مع الفساد, لايتم – أساسا – إلا بإسلوب التجزئة المحدودة (أى ال “قطعة قطعة”), و فقط تحت ضغط المليونيات, والتى تتعرض للتشوه والعشوءة. هنا يجدر الإنتباه الى أن مصر تفقد أحسن فرصة للقضاء على الفساد, والتى تكون أعلى مايمكن من كفاءة أثناء ممارسة الثورة (وذلك طبقا للخبرات والنظريات العلمية).

    3)  الإفتقاد الى حكومة ثورة, تقدر على إحداث التحولات الضرورية فى السياسات العامة, وعلى إستتباب أمن الشارع.

    4)  عدم نزول الثورة الى وحدات العمل. وبالتالى حرمان وحدات العمل من ممارسة التطوير والتحسين فى الإنتاج والأداء, من خلال (أو من قلب) مقاومة الفساد.

    5)  إهمال الإمساك بالتحول الثقافى التلقائى العظيم الذى حدث فى أخلاقيات وتعاملات وطموحات المصريين وقت الثورة. إنه التحول الذى جعل المليونيات تتزين بشيوع التسامح والبهجة والمحبة, وكان جديرا بالرصد والتحليل والإستخدام – المنهجى – كأساس فى بناء مصر الثورة, التى تعلو فوق كل التمييزات والمصالح الخاصة.

    6)  وصول الشارع السياسى للثورة الى حالة “محلك سر”, وخضوعه تماما لمنهج “التجربة والخطأ”, الأمر الذى تتزايد مخاطره فى ظل سياقات الجهل والفقر والفساد, والتى لم تقترب منها حالة الثورة إقترابا منظما, بعد.

    7)  تزايد فى طواعية الشارع السياسى للقوى المضادة للثورة, و هى القوى القادرة على سوء إستغلال المال والجهل والفقر لمصالحها الإفسادية.

    وهكذا,فى ضوء ماوصلت اليه التحديات المباشرة التى تتعرض لها الثورة, وعلى وجه الخصوص تشوه وتشويه للمليونيات, والإخلال بالأولويات, فإن الأمر يبدو (رغم قناعتنا بأنه ليس كذلك) كما لو أن سياسيى الثورة والتيارات السياسية قد عقدوا إتفاقا مع مبارك, أن “إسمح لنا بإنشاء الأحزاب وبإنتخابات بوجه ديمقراطيى, فى مقابل بقاء النظام كما هو” (؟!؟).

    ورغم أن الأمر ليس أبدا كذلك, إلا أن النتيجة العملية فى أرض الواقع, تكاد تكون واحدة. إنه إذن مأزق كارثى بالنسبة للثورة, بدلالة ماجرت الإشارة اليه أعلاه, من إبتعاد الثورة عن إطارها المرجعى, وعدم تحقق أى من لزومياتها, وتفاقم للنواقص ومعالم الخلل فى مسارها ...]].

    فى إطار هذا العنصر, والخاص ب "تصميم المسار الثورى وتحديد سقف الثورة" تجىء مسألة تقييم أو تحليل قرارات مرسى فى 12 أغسطس 2012, بشأن المجلس العسكرى وقياداته والإعلان الدستورى (كمثال).

    فى هذا الخصوص, يمكن القول بأن القوى الوطنية بحاجة أن تتحول عن مقارباتها الروتينية للأحداث, بالموافقة أو بالرفض, من خلال بيانات و/أو تظاهرات.
     
    الأمر يحتاج الى مقاربات أكثر إيجابية وأكثر تحديدا. من ذلك مثلا:

    * التقييم من منظور باراجمتى محض, من زاوية الإنعكاسات والتداعيات المتوقعة لهذه القرارات على الأوضاع القائمة وعلى مستقبلياتها, خاصة بالنسبة للمسار المفترض للثورة.

    * التقييم من منظور السياقات التى إتخذت من خلالها, وبالإعتماد عليها, هذه القرارات, خاصة إذا ما كانت هناك سياقات تنتمى الى مفهوم (وسياقات) مايسمى بالفوضى الخلاقة.

    * التقييم بخصوص المعنى السياسى الممكن للطريقة التى إتخذت بها هذه القرارات.

    * التقييم بخصوص القدْر (والمعنى) المحتمل بشأن الإتساق الذاتى لهذه القرارات مع سابق توجهات (و/أو تصرفات) الإخوان, وكذلك بقية تصرفاتهم فى الحاضر.

    وفى كل الأحوال, لايمكن للقوى السياسية المشغولة بمسار الثورة, أثناء الفترة الرئاسية الحالية, والتى تعتبر إستكمالا للفترة الإنتقالية للثورة, أن تمارس هذا الإنشغال بما يتطلبه الأمر من جدية وإيجابية, مالم تنجز الوصول الى منظومية جماعية, وطنية وصادقة ورشيدة.

    (فى هذا الشأن يمكن الرجوع الى مزيد من التفاصيل فى:
    • الثورة بحاجة الى إعادة توليد للمرحلة الإنتقالية – البديل – 18 أكتوبر 2011.
    • أزمة الثورة و .. إشكالية " النخبة" - الوعى العربى - 1مارس 2012.
    • مأسسة الثورة المصرية - دليل المدونين المصريين - 26 /3/ 2012.
    • مستقبليات المرحلة الإنتقالية بعد الإنتخابات الرئاسية- دليل المدونين المصريين – 16 /5/ 2012.  
    • مع قدوم الرئاسة الجديدة: "إستعادة الثورة” تكون بمأسستها وليس بتقبيل الوجنات – الوعى العربى - 25/ 6/ 2012 ).

    ثامنا) ثورة المفكرين.

    يلعب المفكرون دورا رئيسيا وقائدا فى مسارات تقدم مجالات أعمالهم, ومجتمعاتهم, وبلدانهم.

    فى مصر, كان للمفكرين - كأفراد -  أدوارا إيجابية فى الكشف عن الفساد, والتصدى له, فى عهد مبارك. وذلك من خلال مقالات أو ندوات أومواقف أو كتب. لكن لم تكن لهم مساهمات جماعية - كمفكرين (أى فى المجال الذهنى)-  بالقدر الظاهر أو المحسوس, على غرار مافعلت "كفاية", مثلا, فى المجال الإحتجاجى, كعبقرية إحتجاجية أصيلة.

    لقد جاء هذا التراخى, من جانب المفكرين, بالرغم من سرعة تزايد وتجسُم تردى الأوضاع الوطنية, خاصة منذ منتصف التسعينات (فى القرن الماضى).  وكذلك بالرغم من تكرار المناداة بالحاجة الى الدور الجماعى للمفكرين كميكانيزم إستنهاضى للبلاد (من خلال أطروحات عن الحاجة الى حركية فكرية وطنية جديدة, وعن العقل الجماعى الوطنى , وأيضا عن المسؤلية الشعبية للمفكرين, ... الخ) على مدى السنوات الخمسة عشر الأخيرة للنظام السابق (الوطنية فى مواجهة العولمة – دار المعارف - 1999).

    وبخصوص ثورة 25 يناير كان المفكرون يتابعون الأحداث ويعلقون عليها, بالكتابة أو بالأحاديث التليفزيونية, ولكن كأفراد وليس كجماعة فكرية.

    إنهم لم يجتهدوا فى أن يصنعوا بالفكر, إطارا ذهنيا مرجعيا يبدع الثورة, أو يمهد لها, أو يكون من شأنه الحفاظ على قوة الدفع فيها, حتى تتمكن من إنجاز مسارها المفترض, وتصل الى سقفها.

    وفى شأن عملى, مواز ومتصل, يمكن القول بأن "جماعية" جماهير المواطن العادى, والتى أسقطت رأس النظام السابق, لم تأتى - فقط - كترجمة لحقيقة أن "الشعب هو المعلم", بإعتبارها (أى الجماعية) هى التى أشعلت الثورة, بل كانت -  أيضا -  كاشفة عن تخلف نخبة القوى السياسية عن الإرتقاء الى جماعية موازية.

    وبسبب تخلف النخبة ظلت الثورة جسما ضخما من المليونيات دون رأس قيادية (جماعية), مما مثّل ثقبا كبيرا فى حالة الثورة.

    المشكلة الكبرى أن هذا التخلف يمكن أن يستمر, وتتفاقم العشؤة والإنحرافات الناجمة عنه, مالم تُدرك أسبابه ويحدث علاج له (أزمة الثورة وإشكالية النخبة - الوعى العربى - 1مارس 2012).

    إن أبرز هذه الأسباب ينجم – فى تقديرنا – عن عدم قيام المفكرين بمسؤليتهم الجماعية فى صنع عقل جماعى وطنى. ذلك أن هذا العقل, فى حال وجوده, سيكون بمثابة الإطار المرجعى الذهنى (أو فنارة الإستنارة) بالنسبة للفعل الوطنى, عند كل من المواطن العادى و النخبة السياسية.

    وإذا كان غياب العقل الجماعى الوطنى, قد أدى الى تأخر نسبى فى زمن بزوغ الثورة على النظام السابق,  فإن جماعية الشعب (المُعلم) كانت هى المدخل لإستقدام هذه الثورة. ذلك بينما النخبة السياسية, والتى لم ترتقى الى جماعية مماثلة, تسببت فى الإنحراف بالمسار الثورى, تحت وطأة الأطر المرجعية الأدنى من الثورة (والوطن), والخاصة بالجماعات والأحزاب والأفراد.

    جماعية المفكرين إذن, هى المدخل المنطقى (والقومى) لإنجاز إستكمال الثورة. وذلك – على وجه الخصوص – من خلال إبداع إطار مرجعى ذهنى وطنى يكون داعما لكل من العمليات التالية:

    • التعُلم الذاتى الذى يحدُث تلقائيا عند جماهير المواطن العادى, نتيجة الشواش الذى طغى على المسار الثورى.

    • الحركيات (والرؤى) والجهود, التى يكون من شأنها إستحضار المستويات اللازمة من "الجماعية" فى سلوكيات القوى السياسية.

    • الصياغة الوطنية للمسار الثورى.

    • صناعة "المسطرة" التى تكون بمثابة المعايير الخاصة بإستنهاض مصر, وطنا وشعبا.

    • تصحيح خلل رئيسى مزمن فى حركيات الشارع السياسى المصرى, والذى يتمثل فى  قصور حركياته عن المنهجيات طويلة المدى.

    بمعنى آخر, يمكن القول أنه, إذا كان جسم أى إنسان تغيب عنه الحياة الفاعلة فى غيبة الرأس أو العقل, فإن المفكرين فى أى كيان مجتمعى هم رأس أو عقل هذا الكيان, ولكن فقط عندما ينجحون فى ممارسة جماعيتهم

    وهكذا, ثورة المفكرين, تعنى تحول المفكرين من الصورة التى هم عليها فيما يتعلق بالشأن الثورى (أو الإستنهاضى) الوطنى, والتى تعلو فيها الفردانية (ونفسيات الأنا) وإيقاعات الشخصنة والصراخات, الى صورة أخرى تكون فكرية بحق, والتى بالضرورة تكون جماعية. إنه أمر يتطلب الإلتزام بالمنهج العلمى وبتقنيات الحوار, وبالإطار المرجعى الأعلى, والذى هو الثورة (والوطن).

    المنتظر إذن من ثورة المفكرين أن تقود البلاد الى التقدم بالإعتماد على "قوة الفكر" الثورى/الوطنى/التنموى. عندها, وعندها فقط, ترتقى مصر (بجماهيرها الشعبية وقواها السياسية الوطنية) الى تحجيم ومنع "فكر القوة", والذى يظهر من خلال تمكن مايدعى بالفوضى الخلاقة, ويتيح إتجاه فصائل سياسية ما, فى الزمن الحالى (كما فى أى زمن سابق أو لاحق) الى "المغالبة بدلا من المشاركة", وييسر لقوى أجنبية غير صديقة القدرة على اللعب بإيقاعات المسار المفترض للثورة (الوطنية).
     
    أما عن الكيفية (أو ال  Methodology ) بخصوص التوصل الى جماعية المفكرين, فإن الأمر يتطلب ورشة عمل كبيرة, أو عدد من ورش العمل المتتابعة, والتى تُعقد فى سياق تكاملى.

    وبخصوص الطريقة الى تأسيس ورشة (أو ورش العمل) هذه, ومنهاج عملها, ... الخ,  من المفضل أن تجرى بشأنها تبادلات واسعة لوجهات النظر, وإن كان من الممكن الإشارة - كمجرد مثال -  الى وجود مقاربة شبيهة كان قد جرى طرحها فى جريدة العربى, بعنوان "نحو حركية فكرية وطنية جديدة" (1995), والتى ضُمنت فى كتاب "الوطنية فى مواجهة العولمة (دار المعارف - 1999 ), وأعيد طرحها (أو تحديثها) عام 2003 (الأهرام).    
     
    (تاسعا) ثورة كانت وثورات ستكون

    بالرغم من أن النخبة السياسية  كانت هى صاحبة الفضل فى معارضة نظام مبارك, وكسر حاجز الصمت تجاهه, وبشكل قيادى نضالى عظيم (خاصة بواسطة "كفاية"), إلا أنها – أى النخبة ذاتها –  لم  تكن تحلم (أو تصدق) بقدوم تغيير سياسى كبير (أو ثورة) فى البلاد, وإلا لكانت قد إنتبهت وإستعدت لقدوم هذا التغيير, خاصة عندما جرت الإشارة الى قرب قدومه (بطرح حيثياته والتنبؤ بموعده كما جرت الإشارة الى ذلك فى السطور أعلاه, وكذلك فى "الحركات الاحتجاجية .. ماذا سيتبقى منها بعد عامين؟ - البديل - 23/ 8/ 2008").

    وإذا كان التغيير السياسى الكبير الذى حدث (ولم يكن متوقعا بالقدر الكافى) قد تمثل فى ثورة 25 يناير, فإن هذه الثورة (كحالة) قد أبرزت, وعضدت, وأتاحت, تغييرات خرسانية فى البنية المجتمعية للشارع السياسى المصرى.

    خرسانية هذه التغييرات, والتى يُقصد بها متانتها الفائقة, تأتى من خلال عناصر إبتكارية رئيسية جديدة فى هذا الشارع, من شأنها تجدده (ونموه) بإستمرار, وبرشاقة (أى يكون  Smart).

    أول هذه العناصر يتمثل فى المرأة, وثانيها يتمثل فى الشباب (الجديد والمتجدد دوما), وأما ثالثها فيتمثل فى تكنولوجيا المعلومات.

    وجود هذه العناصر الثلاث, يدفع بتواصل التولُد الذاتى لحالة الثورة فى المجتمع المصرى, حتى إستكمالها.

    وبعدها, أى بعد إستكمال حالة الثورة (وإنجازها الوصول الى سقفها) تصبح الممارسة السياسية فى ظل وجود نفس العناصر الثلاث السابق ذكرها, مُتصفة بالشفافية و بالتحضر (أى تنضج الى ممارسة سياسية جيدة).

    من ناحية أخرى, ما إستحضرته حالة الثورة من تحول لدى المواطن العادى الى السعى لفهم السياسة والتأثير فيها, سيجعل من هذه الجماهير حضاّنة وطنية National Incubator  لحركيات العناصر الثلاث المشار اليها, أى حاضنة لإستمرارية (وتواصل نمو) حالة الثورة, وإنتقال البلاد الى "الممارسة السياسية الجيدة".

    وتماما, كما أن ثورة (أو حالة ثورة) 25 يناير لم تكن متوقعة, و/أو قد فاقت أية توقعات, فإن إستكمال الثورة المصرية سيكون - إن شاء الله -  أبلغ وأنضج من أية رؤى أو ظنون.
    من المنظور المستقبلى, يمكن التوقع بأن يكون تحول المفكرين الى ممارسة "الجماعية" بشأن الثورة وإستكمالها (أى ثورتهم على فردانيتهم وشخصانيتهم, فيما يتعلق بالتناولات الفكرية لإستحقاقات ثورة 25 يناير), بمثابة قوة الدفع (أو العامل المساعد) على الولوج الأمثل الى مسار الثورة وإستمراريتها.

    فى هذا الخصوص يمكن جذب الإنتباه الى أمور ثلاث:

    الأمر الأول, أن كافة العناصر السبعة الأولى المذكورة أعلاه, تحت بند  شكل إستمرارية الثورة فترة رئاسة "مرسى", تتطلب تأملات وتناولات فكرية أصيلة, لايمكن التوصل اليها كإستجابة لإحتياجات ثورة شعبية, إلا من خلال "الجماعية".

    الأمر الثانى, أنه حتى وإن تباطأ (أو تقاعس) المفكرون فى عملية التحول الى الجماعية بخصوص تناولاتهم بشأن المسار الثورى, فإن العناصر المولّدة لإستمرارية الثورة, والمشار اليها أعلاه, ستحقق هذه الإستمرارية, ولكن بدرجة ما من ممارسات التجربة والخطأ.

    الأمر الثالث, أن تحديا رئيسيا أمام "نخبة" البيروقراطية السياسية, الحاكمة الآن فى فترة رئاسة الدكتور مرسى, يتمثل فى إستكمال (وحماية) الثورة. فى هذا الخصوص, يكون الأرقى والأنفع لهذه النخبة أن تكون بنفسها, وبقيادة رئيس الجمهورية, هى الداعمة ل "جماعية" المفكرين "لوجيستيا", أى من حيث تجهيزات الإتصال والمكان ..... الخ.

    وبوجه عام يمكن القول, أنه إذا كان من شأن الركود والتخلف الذى حلّ بالشأن المصرى العام على مدى أكثر من ثلاثة عقود أن قد تطلب ثورة شعبية لإزاحة الرئيس, فإن تغيير أحوال مصر فى إطار ما تستحقه بحجمها الكبير, يتطلب ثورات (على مستويات مختلفة) بشأن كافة ميكانيزمات الإرتقاء الوطنى (مثل: تفريغ البلاد من الفساد - التنمية البشرية - العدالة الإجتماعية/الإقتصادية - الإدارة - التخطيط .... الخ).

    قد تكون ثورة المفكرين فى مقدمة هذه الثورات, بحيث يكون هناك مايسترو جماعى مُعلن لهذه الثورات, يحافظ على معيارياتها ,ويقلل تكاليفها, ويُعظِم عائداتها, والتى عندها, وعندها فقط, يمكن أن تكون عائدات تنموية (كُلية) متسارعة. ذلك بمعنى تحويلها البلاد الى مسار القدرة على إحداث مايسمى بالتقدم الأُسى    Exponential Progress (التقدم الأسى: إدارة العبور من التخلف الى التقدم – المكتبة الأكاديمية – 1997).
     
    وبينما ثورة المفكرين تمثل أمرا يتعلق بالأمثلية والرشادة, إلا أنه حتى فى غيابها ستبزغ بقية الثورات, ولكن فى سياقات متباينة وبتكاليف أكبر.

    (10) إعتبارات إستراتيجية عامة


    • فترة رئاسة الدكتور مرسى هى - فى الأساس -  فترة مكملة للفترة الإنتقالية لثورة 25 يناير. الإستيعاب التطبيقى لمتطلبات هذه الفترة يحتاج الى أمرين. أولا, جماعية القوى السياسية الوطنية, والتى من الأمثل أن تكون جزءا من جماعية المفكرين. وثانيا, إحتضان إيجابى من البيروقراطية السياسية الجديدة, بقيادة رئيس الجمهورية, لمسار إستكمال الثورة, كما تصل اليه جماعية القوى الفكرية والسياسية.

    • الجزء الأغلب من التعاطف الإنتخابى للجماهير, مع الدين السياسى, جاء نتيجة ملابسات قهر وفساد وإستبداد من جانب النظام السابق ومن فلوله.  وبصرف النظر عن الرؤية الوطنية النقدية للدين السياسى (والمشار اليها أعلاه), فإن هذه الجماهير هى جماهير مصرية أصيلة, تساهم فى التحولات الثورية, بقدر إمكاناتها ورؤاها, وترتقى هى ذاتها (الى الإطار المرجعى الوطنى) من خلال ممارسة الثورة, ومن خلال التعلم الذاتى.

    • مهما تصاعدت حدة وأهمية الخطاب السياسى من جانب القوى السياسية الوطنية, أفرادا وجماعات, وأحزاب, فإن الفاقد النوعى فيها عظيم (وكذلك الفاقد فى الزمن), طالما تغيب عنها الجماعية, وطالما لم تصل الى منهجية العقل الجماعى الوطنى. ربما فى هذا السياق يكون من المناسب للأحزاب الجديدة (مثل الدستور و التيار الشعبى), النظر العميق فى ميكانيزم الجماعية, خاصة ومن المفترض أنها أكثر دراية من غيرها بشأن بدء تحول المصريين الى حداثة ترفض كاريزما الفرد.  

    • بينما وصول الإخوان الى الأغلبية البرلمانية, والى الرئاسة, قد جاء - الى حد كبير – فى سياقات خروج الثورة عن مسارها المفترض, وفى إطار تعاظمت فيه ممارسات الشواش (أو الفوضى), وتحولت فيه الذات الوطنية الى قوة مضادة للثورة, إلا أن الإخوان ليسوا وحدهم المسؤلين عن ذلك.

    وعليه, فإن النقاء فى الإتجاه الى إحراز تقدم فى حالة الثورة يعنى, بالنسبة لغير الإخوان (على وجه الخصوص), الإنطلاق من الوضعية الراهنة , بداية من "نقد الذات". ويعنى بالنسبة للإخوان ضرورة الإتعاظ من دروس محتملة, ليس بأقل من دروس مضت.

    • مصر, الوطن, والشعب, والدولة, هى (مهما تعاظمت مشاكلها / ومهما إشتد الشواش الموجه اليها) أكبر من أى فصيل سياسى بذاته.

    • الإعتزاز بالقوات المسلحة المصرية, ودعمها, وتمكينها, هو أمر وطنى محض, لايمكن التخلى عنه تحت أى ظروف.  وأما عن المجلس العسكرى فيما يتعلق بدوره تجاه الثورة, فمن جانب, هو أمر يستدعى النقد, والتقييم, والمحاسبة, بشأن أية أخطاء جرى إرتكابها تجاه أمن الثورة وجماهيرها. ومن جانب آخر, لابد أن يؤخذ فى الحسبان أن المجلس العسكرى لم يكن قائدا للثورة (ولم يزعم ذلك), وأنه ماكان ليمارس عديد من سلبياته تجاه الثورة, لو أن القوى السياسية كانت قد إرتقت الى ممارسة مسؤليتها فى تشكيل محلس قيادى جماعى للثورة ( وفى هذا الشأن توجد تفاصيل أكثر فى: احتياجات الارتقاء بالثورة: 1/ 3 .. الحركيات والقيادة - البديل - 11 مايو 2011 / الرأس الغائبة فى "الثورة" المصرية- موقع محيط – 4 يوليو 2011 / إخفاق الثورة المصرية.وغياب الرأس - البديل– 10 يوليو 2011  / ورشة عمل.. “الرأس الغائبة” فى الثورة المصرية- البديل- 28 يوليو 2011).

    وفى كل الأحوال, حركيات البيئة الدولية والإقليمية تدفع الى الحاجة العظمى للمتابعة والإطمئنان فيما يتعلق بإمكانات القوات المسلحة وقدرتها على منع تغلغل ميكانيزمات مايدعى بالفوضى الخلاقة فى الشأن المصرى (وذلك – بالطبع – بالتعاون مع بقية أجهزة الأمن القومى).

    • أن التعامل غير الحصيف مع الخارج, خاصة فى الفترة الزمنية الراهنة ,والتى تتصف إجمالا بهيمنة الرأسماية المتوحشة (أو النيوليبرالية), وتوصف جزئيا بربيع الثورات العربية, يمكن أن يقود الى سلوكيات خيانة عظمى, تنكشف حتما, إن عاجلا أم آجلا.

    لهذا السبب فإن الصالح الوطنى العام يقتضى بأن تجرى التعاملات مع الخارج, بأعلى شفافية ممكنة, وبالإعتماد على توافقية وطنية تصاغ طبقا لإحتياجات الوطن فى أبعادها المختلفة.

    وفى هذا السياق, لايمكن للمقاربة مع الخارج أن تُعضد ثورة, بينما هى يمكن أن تهدم  أمة.

    • إستعادة الثورة, ومقاومة القوى المضادة للثورة, هى فى الأساس مهام وطنية شعبية, تعتمد على جماعيتى المفكرين والقوى السياسية الوطنية, بأكثر مما تعتمد على أطراف البيروقراطية السياسية للدولة. ومع ذلك, فإن قدر (وكفاءة) المنظور الوطنى لدى البيروقراطية السياسية للدولة, يمكن أن يؤثر فى مدى نجاح أو فشل هذه المهام.

    وربما فى نهاية هذا الطرح يجدر جذب الإنتباه, وبصوت عال, الى أن مصير إستمرارية الثورة ومقاومة القوى المضادة, فترة رئاسة "مرسى", يتوقف على قدرة الوطنيين المشغولين بالثورة من المفكرين, ومن القوى السياسية, على التفاعل ب"جماعية" مع متطلبات الثورة, من إستحقاقات ولزوميات, بداية ب "الإحتراس الوطنى".

    عندها, تكون الجماعية الخاصة بالشأن الثورة, بمثابة الرأس (أو العقل) الجماعى الوطنى, أى المنارة التى يستنير بها ويتفاعل معها الجميع, شعبا, ورئاسة.., برلمانا, وحكومة.

    وعندها أيضا, يتيسر تفريغ البلاد من الفساد, وتتقلص إمكانات القوى المضادة للثورة.
    وعندها كذلك, يكون على القوى الخارجية أن تتفاعل مع مصر (الأمة) من منظور المصالح المشتركة, "بحق وحقيق".

    وعندها, أخيرا وليس آخرا, يكون نموذج الثورة المصرية قد نضج ليصبح نموذجا إسترشاديا مفيدا   Egyptian Paradigm   Evolutional لمستقبل مصر بجميع مواطنيها, على قدم المساواة. وكذلك مفيدا لكيانات وطنية صديقة.

    تبقى فى الخاتمة ملاحظة توضيحية, وهى أن الطرح المقدم ليس معنيا بإحتمالات المستقبل بشأن "حكم الإخوان", وإنما هو معنىٌ بممكنات إبداع الإستكمال للثورة, والتحجيم للقوى المضادة لها.

    دكتور محمد رؤوف حامد

    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2012/08/23]

    إجمالي القــراءات: [376] حـتى تــاريخ [2017/12/16]
    التقييم: [50%] المشاركين: [1]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: رئاسة &quot;مرسى&quot;.. إستكمال للثورة أم للقوى المضادة ؟!
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 50%
                                                               
    المشاركين: 1
    ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]