دليل المدونين المصريين: المقـــالات - الليلة الأخيرة
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  
أعياد ميلاد  Abdallah ElHlabey   SAGED9   مصطفى عبده   أنا المصرى 

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     سبتمبر 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: أدب وفن
    الليلة الأخيرة
    شوقي علي عقل
      راسل الكاتب

    أدركت يومها أنه قدرها الذي لن تستطيع الخلاص منه إلا بالموت. قررت أن تتجنبه، لم تتضايق من نومها على الأرض، ستستريح من لهاثه ورائحة أنفاسه وعرقه. لكنه لم يتركها، يغضب ان نظرت في المرآة، أو حين تخرج من الحمام وقميصها القطني الخفيف ملتصق بجسدها المندى بقطرات
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?1570
    الليلة الأخيرة
     

    مسحت التراب بعناية من الغرفة الصغيرة، لم تترك مكانا لم تصل إليه يدها، أسفل السرير الذي كانت تنام عليه سلمى قبل أن تترك البيت إلى منزل زوجها، داخل خزانة الملابس التي تحتفظ فيها بملابسها منذ كانت طفلة صغيرة. لم تستخدم الغرفة منذ غادرت ابنتها المنزل، رفض أن يدعها تنام فيها، تعودت منذ زمن طويل أن تمد فراشا بجوار سريره في غرفة النوم الكبيرة على الأرض وتنام. قال لها بخشونة حينما طلبت منه بصوت مرتجف أن تنام في غرفة ابنتها بعد أن سافرت (يمكن أعوزك). لن تسأله ثانية، تعرف أنه لن يقبل أبدا أن تنام في غرفة أخرى، عندما طلبت منه أن تنام مع ابنتها وهي رضيعة حتى لا تزعجه بقيامها المتكرر بالليل حين تبكي، رفض ساخرا ( عايزة الناس تقول ايه؟)

    كانت الشقة تضم حجرتين للنوم وصالة استقبال واسعة، أقامت سلمى في  الحجرة الصغيرة منذ أن ولدتها إلى  أن تزوجت وانتقلت إلى منزلها الجديد منذ عشر سنوات. كانت سلمى تجلس في غرفتها حين تأتي لزيارتهم، وتنام  فيها إن كان زوجها مسافرا، لم تكن تفارق ابنتها أبدا حين تزورهم إلا عندما يطلبها، لم يكن ينادي عليها كثيرا عندما تكون سلمى أو أحد أقاربهم عندهم، بل إنه حتى كان يبتسم ويداعبها أمامهم، ويسخر من ذعرها منه. تخاف أن يضربها أو يهينها أمامهم، ولكنه كان يكتفي بسخرية هادئة من (قلة عقلها) كما يحب أن يصفها أمام الآخرين.

    تعودت أن تنام بعد أسابيع قليلة من زواجها على الأرض بجوار السرير، في المرات القليلة التي نامت بجواره كرهت اقترابه منها، يأمرها أن تخلع ملابسها وتستلقي عارية، يبذل جهدا كبيرا ويلهث ويسيل منه عرقا غزيرا، تظل صامتة تنتظر أن ينتهي وتذهب بعيدا مع أفكارها وذكرياتها رآها مرة تبتسم فكاد يجن، ضربها بقبضته وهي تحته، كانت ساهمة بعيدة حين فوجئت بضربته القاسية، لم تقل لأمها، في الأيام التالية أخذت تتحدث  إلى آخرين بخفوت، كانت تلك أول مرة تحدثهم. حين أبلغته أنها حامل نظر إليها طويلا صامتا، ثم طلب منها أن لا تنام بجواره (أصلك باردة وميتة وريحة بقك وحشة وحاتخليني بارد زيك). عندما جاءت أمها أعلن بفخر أمامها (قلنا نخلف بدري أحسن)  . حين جاوزت سلمى عامها الأول تساءلت أمها مبتسمة ( مش أحسن تجيبولها أخ، أهو تربوهم مع بعض)، غضب غضبا شديدا، وأعلن أنه لن يقبل أن يتدخل أحد في تنظيم حياتهم. قالت لها أمها حين شكت لها معاملته (استحملي، الست مالهاش غير بيتها، ما تخرجش منه إلا على تربتها). أدركت يومها أنه قدرها الذي لن تستطيع الخلاص منه إلا بالموت. قررت أن تتجنبه، لم تتضايق من نومها على الأرض،  ستستريح من لهاثه ورائحة أنفاسه وعرقه. لكنه لم يتركها، يغضب ان نظرت في المرآة، أو حين تخرج من الحمام وقميصها القطني الخفيف ملتصق بجسدها المندى بقطرات الماء، وشعرها المغسول الطويل متدل فوق كتفيها المستديرين الناعمين. في إحدى المرات وجدها جالسة أمام المرآة تمشط شعرها وتتعطر وهي ترتدي قميصا لونه سماوي مفتوح يظهر ساقيها، قالت أمها (أحلى واحد عليك، مبين تدويرة جسمك) غضب غضبا عارما، قام ومزق كل قمصان نومها، جلست صامتة ترقبه  بنظرة ثابتة هادئة وهو يمزق القمصان دون أن تتحرك. تجنب نظرتها، لم تقل شيئا ولم يتحادثا بعد ذلك، لم يكن يناديها إلا ليطلب منها شيئا ما،  فكانت تلبي طلباته صامتة.

    لم تعرف في حياتها رجلا غيره، سألت نفسها كثيرا إن كانت لحظاتها الصامتة الثقيلة معه في الفراش في بدء حياتهما هو الجنس الذي كانت البنات تتحدث عنه برهبة ورغبة وشوق حين كن يتهامسن بالمدرسة. حذرتها أمها من الرجال كثيرا، ومن أن يقترب ولد أو شاب من ذلك المكان الناعم الخفي، إنه فقط لزوجها، اكتشفت أن لا شيء يستحق. لا تدري لم هي باردة الجسد كما يقول، ولكن لا يمكن أن يقول ذلك عن مشاعرها. لم تقل شيئا لأمها عن عذاب ليلها معه، خجلت منها،  كادت أن تخبرها عدة مرات ولكنها خافت، عرفت منذ أن كانت طفلة أن الكلام في ذلك الموضوع عيبا كبيرا وحرام.

    يمر يومها طويلا مملا في محبسها الذي وضعها فيه قسرا في البدء، ثم باختيارها بعد ذلك، كان يغلق عليها الباب في البدء حتى اكتشف أنها لا تهتم، ولن تخرج، فلم يعد يغلقه، فالباب المغلق يسيء لصورته أمام الناس. استطاع أن يبعد عنها صديقاتها شيئا فشيئا، لم يسمح لها بالخروج لزيارتهن ولم يتركها تجلس بمفردها مع أي منهن، لم يكن يخرج في اليوم الذي تأتي فيه صديقة لتزورها، يظل جالسا بالمنزل بجوارهم. في إحدى المرات تهامست مع صديقة لها، كانت صديقتها تصف لها محل يبيع ملابس داخلية مثيرة، ابتسم ابتسامة صفراء ملتوية وسألها عما يتهامسون، وقال (ممكن أقوم واسيبكم اذا كنتم عايزين). توترت الجلسة، قامت صديقتها بعد قليل، لم تعد ثانية.  أصبح يومها شريطا متصلا من الصور والمشاعر والقصص والأحداث التي تتحرك أمامها. كانت تتابع كل المسلسلات والأفلام، حفظت أسماء شخصيات المسلسلات، ثم أصبحت تشترك معهم في حديثهم، تغضب منهم وتحبهم، إلى أن اكتشفت وهي خجلى أنها تحب أحد الرجال في المسلسل، حين تسمع صوته يحمر وجهها خجلا وتأخذ في التشاغل بشيء، وتشيح بوجهها، كرهت منافستها بالمسلسل، وحين انتهى المسلسل ولم تعد ترى بطلها، بكت بحرقة لأيام متتالية. ثم أخذت شيئا فشيئا تتحدث في المنزل مع أشخاص غير موجودين، تبتسم أحيانا أو تحمر خجلا، أو تتشاجر مع أحدهم وتغضب بشدة، لم يحدث أن غضبت يوما مثل هذا الغضب حتى حين كان يضربها بدون سبب. حين ضبطت نفسها في البدء تتحدث مع نفسها، خافت وتوقفت، واكتفت بالحديث مع الممثلين، كانت سلمى سافرت مع زوجها وابنها الى كندا، لم تكن قد رأتها منذ أكثر من عشرة شهور. عاد مبكرا ذات يوم وكانت تشاهد إحدى التمثيليات، طلب منها أن تحضر العشاء، قامت متباطئة، كانت التمثيلية في نهايتها وتريد ان تعرف النهاية، قام وصفعها وأغلق الجهاز وأقسم أنه سيبيعه. أسرعت مرعوبة لتعد له العشاء، جلست بعيدا عنه وهو يتعشى، حين انتهى أسرعت إليه باكية متوسلة أن لا يبيع الجهاز، لم تطلب منه شيئا من قبل. نظر اليها بهدوء وهي تبكي متوسلة ثم ابتسم ابتسامة صفراء وقام لينام. في الصباح استيقظ مبكرا، نادى على البواب بعد أن ارتدى ملابسه، طلب منه أن يحمل الجهاز إلى سيارته، وأغلق الباب وهو ينظر اليها مبتسما.

    يومها قابلت هدى ، كانت تلك أول مرة  تراها فيه، جلست باكية على مقعد بغرفة الجلوس بعد نزوله، فوجئت بها جالسة على المقعد المقابل ترقبها بهدوء، نظرت إليها مندهشة، قالت لها هدى (ولا يهمك منه)، قالت (لكنه خد الحاجة الوحيدة في حياتي). ابتسمت هدى قائلة (حنعمل كل الحكايات اللي في الدنيا، حاحكيلك أحلى الحكايات، ولا حتشوفي زيها في أحسن فيلم). تحادثا يومها كثيرا كصديقتين قديمتين. حين عاد إلى المنزل ظهرا اندهش حين وجدها مشغولة عنه كعادتها ولا تحمل أية مشاعر حزن أو غضب.  أصبحت هدى صديقتها المفضلة، وشيئا فشيئا أصبحت صديقتها الوحيدة، لم تعد تتحدث لسواها. تقبلت لوم هدى لها لاستكانتها وخضوعها، قالت لها أن باستطاعتها أن تترك المنزل وتعمل في أية وظيفة، فهي جامعية وجميلة وذكية، وجسمها كما كان قبل الحمل، جميل ومشدود، سيعجب رجال كثيرون، لم تجادلها. بعد  خروجه كل صباح تجري لتغلق الباب خلفه بالمزلاج وتقوم بعمل كوبين من الشاي لها ولصديقتها، وتجلس لتتحدث معها، بعد أن يفرغا من الشاي تقوم معها بتنظيف المنزل، لا تتركها إلا حين يحضر، ثم ترجع حين يخرج مساءا. قصت عليها كل شيء،  كيف ضربها  كثيرا لأسباب تافهة وأحيانا بدون سبب، كيف تظل تنظر إليه حتى يكف ثم تتركه وتذهب إلى غرفة سلمى، تحتضنها وتشدها الى صدرها ولا تبكي.  حكت لها عن سلمى وأرتها ملابسها التي كانت تحتفظ بهم، تبتسم وهي تمسك بالفساتين وتتخيل ابنتها حين كانت ترتديها. قصت عليها كيف كان ينام معها في بدء حياتهم وكيف يلهث ويعرق دون فائدة، ضحكتا كثيرا من مشهده عاجزا غارقا في عرقه. هدى تعرف كل شيء عنها، لم تسألها كيف عرفت، قصت عليها كل شيء، ولكنها أخفت عنها أنها تحلم أحلاما غريبة متكررة، أن رجلا غريبا لا تعرفه ينام معها، رجلا لم تره من قبل. تقضي ليلة جميلة تقوم بعدها في الصباح سعيدة خجلى قبل أن يستيقظ زوجها وتستحم بالماء الساخن، يثيرها انسياب خطوط الماء على جسدها ودخولها ثناياه كما تفعل يد رقيقة تطوف بجسدها الحار الناعم بحنان ورغبة. لم تقل لهدى ولكنها فوجئت بها تسألها (مين ده اللي بينام معاك؟)، أجابت بخجل (ما أعرفش)، اقترحت هدى (فاكرة شريف اللي كان ساكن قصادك، يمكن يكون هو؟). لم تكن تعرف إن كان هو أم لا، ولكنه أتاها في حلمها التالي، استمتعت بوجوده  معها في الفراش ولمسات يده لجسدها، لم تحس بمثل تلك المتعة من قبل حين كان يأتيها رجل غريب لا تعرفه. لم يتغير شكل شريف في الحلم عنه عندما كانت تقابله مصادفة على سلم منزلهما حين عودتها من المدرسة، ترتبك خطواتها وتتسارع دقات قلبها وتكاد تتعثر على درجات السلم ونظراته تتابعها. تخرج وسافر قبل أن يقول شيئا، انتظرت طويلا أن يعود يوما ويدق بابهم، حتى تزوجت.

    تعرف هدى كل شيء عنها رغم أنها لم ترها إلا قريبا بعد أن تركت سلمى المنزل وتزوجت. منذ أن سافرت ابنتها بعيدا أصبحت لا تطيق البعد عنها، تنتظر بفارغ الصبر خروجه لعمله في الصباح او لمقابلة أصدقائه مساء لتجلس معها. لاحظ زوجها أنها سعيدة غير مبالية بمنغصاته التي يقوم بها، شك في الأمر فأخذ يعود في أوقات متفرقة ليفاجئها، ليجدها تدور في المنزل تتحدث مع نفسها، فينظر ويفتش حوله ثم يعود إلى عمله حتى أيقن أن لاشيء هناك فكف. أسعد لحظاتها حين يأتيها برسالة من ابنتها، تأخذها منه وتجري مسرعة إلى غرفة سلمى وتقرأها مرارا، تظل يومين أو ثلاثة أيام تقرأها وحدها. لم تكن هدى تأتي أبدا حين تصل رسالة من سلمى، بل كانت تأتي بعد ذلك ، فتقص عليها وهي فرحة أخبار حبيبتها،  تنظر هدى لها هادئة حتى تهدأ مشاعرها هي الأخرى.

    لكنها لم تتلقى منها رسالة منذ سنة كاملة حتى كادت أن تجن، سألت صديقتها ما السبب؟ احتارت هدى مثلها. حين سألت زوجها قال لها بنظرة حاقدة متشفية (تلاقيها مشغولة بجوزها ونسيتك).  لم ترد سلمى على أي رسالة من رسائلها، لم  يمر يوم في الشهر الأخير دون أن تكتب لها رسالة من عدة صفحات تحكي لها عن كل شيء، ماذا طبخت وأسعار الخضار والبقالة  وعن الجيران الذين تشاهدهم من خلف النوافذ، لم يكن يسمح لها بالخروج إلى الشرفة أو فتح النوافذ، وإن لم تجد شيئا تقوله تقص عليها أحداث المسلسلات التي كانت تشاهدها ليلا بعد أن يأوي إلى الفراش قبل أن يأخذ التلفاز. لم تذكر أخباره في رسائلها، في آخر كل رسالة تضع جملة لا تتغير (أبوكي بخير وبيسلم عليكي)، لم تخبرها عن هدى صديقتها الوحيدة، وتسألها لم لم تعد، وهي ابنتها الحبيبة، ترد على رسائلها. لم تتلقى منها رسالة منذ عام كامل، قال لها أنه يتصل بها ولكن هاتفهم لا يجيب، رفض أن  يدعها تحاول معرفة أخبارها من اهل زوجها. أخذت تستعطفها في رسائلها الأخيرة، تبكي وتبلل الورق بدموعها وتسألها أن ترد عليها. كتبت رسائلها على مكتب سلمى في غرفتها التي رأتها تكبر فيها حتى تزوجت ورحلت وتركتها معه، وتعطيها له ليرسلها. في الأيام الأخيرة لم تعد هدى تفارقها أبدا حتى وهو موجود، لم يتحدثا أمامه حتى لا يعرف بوجودها فيطردها، كانت تقضي معظم وقتها في غرفة ابنتها جالسة على مقعد صغير تحدق عبر باب الشرفة المفتوحة الى السماء.

    -   تعالي، انت فين؟

    قامت مندفعة، وقبل أن تصل للباب ارتفع الصوت ثانية غاضبا:

    -   انت فين ؟؟

    عاد صوته ثانية:

    -   مش لاقي زراير القميص الكارتيه.

    ردت بخفوت:

    -   حأدورلك عليهم.

    سبها بصوت غاضب، أخذت تبحث عن الأزرار الذهبية، تعود أن يخرج متأنقا كل مساء بعد أن يصلي المغرب في الصالة، ليلتقي بأصدقائه على المقهى ولايعود قبل أربع او خمس ساعات، تلك هي لحظة  خلاصها المسائية، ستطوف في البيت حرة دون أن يلاحقها صوته أو تلاحقها نظراته التي تحس بها تكاد تحرقها.

    -   أنا نازل، وإياك لما آجي ما لاقيهمش!

    -   حاضر.

    بعد نزوله قامت لتبحث عن الأزرار، بحثت معها هدى وهي صامتة، أخذت تبحث في الأماكن التي توقعت أن يضع فيها أغراضه، لم تجدهم، أحضرت كرسيا وصعدت عليه وأخذت تبحث فوق خزانة الملابس، تحسست يداها سطح الخزانة العالي فلمست رزمة مطوية، كادت أن تتركها ولكن هدى قالت لها أن تفتحها وتنظر ما فيها. فتحت اللفة المطوية بعناية، وجدت داخلها عشرات الخطابات من ابنتها الحبيبة الغائبة، ارتعش جسدها بعنف وأحست بدوار قوي، آخر خطاب مرسل منذ أسبوع. كانت سلمى تشكر أباها على خطاباته وتسأل عنها، هل خرجت من المستشفى أم لا؟ ومتى ستخرج؟ وهل استراحت أعصابها بعد الازمة العصبية التي مرت بها؟ وهل مازالت تتحدث مع نفسها؟ قالت أنها سترسل لها دعوة لزيارتها فور خروجها من المستشفى  لتقيم معها في بيتها بكندا لتستريح ولترى ابنتها الرضيعة التي لم ترها من قبل، قالت: إنها تشبه جدتها وأن ابنها يسأل عن جدته.

    ارتعش جسدها، وقفت هدى صامتة، قالت بهدوء (انا ماشية، مش راجعة تاني) لم تهتم ولم تقل شيئا، لم يعد وجود صديقتها مهما. قرأت كل الخطابات، إنها خطابات السنة الماضية، فيها صور لحفيدها الصغير وحفيدتها، لم تكن تعلم أنها انجبت بنتا، قالت لها سلمى أنها تتمنى أن تنجب بنتا. أعادت قراءة الخطابات عدة مرات، حفيدتها تشبهها فعلا، ظلت ممسكة بالصورة قريبة من صدرها ودموعها تسيل بهدوء دون توقف. استراحت بعد أن اطمأنت عليهم، كبرت سلمى وعندها أولادها وحياتها ولم تعد بحاجة إليها.

    أعادت الرزمة إلى مكانها بعد أن لفتها بعناية كما كانت، ذهبت إلى المطبخ وأخرجت انبوبة البوتاجاز الاحتياطية من خلف الثلاجة، الأنبوبة مليئة وثقيلة، ركبت فيها الخرطوم وغطته بفوطة المطبخ. يعود كل ليلة  منتصف الليل ويذهب للنوم بعد أن يتناول كوبا من الزبادي، لن يحس برائحة الغاز بعد أن ينام، أحكمت اغلاق النوافذ وجهزت مشاية صغيرة لوضعها أسفل عقب الباب، رشت الغرفة بالعطر الجميل الذي اشترته لها هدى في عيد الأم، عطر لم تستخدمه، كانت الغرفة مغلقة نظيفة ورائحة العطر الجميل تملؤها. أخذت حماما دافئا، سرحت شعرها وصففته وضمته بعناية، اقترب موعد عودته، وضعت الأنبوبة بالممر، لم يهتم أبدا بأي شيء بالمنزل، لن يهتم بوجود أنبوبة الغاز بالممر، إن سأل ستقول له إنها فارغة، وستعطيها للبواب في الصباح ليغيرها، لكنه لن يسأل. ستخبره أنها لم تجد الزراير، لن تمانع إن صفعها الليلة، فالليلة ليلتها! ستفتح المحبس وتمرر طرف الخرطوم تحت عقب الباب بعد أن ينام وتضع حوله قماش من الداخل كي لا يتسرب الغاز للخارج، نومه ثقيل ولن يسمع شيئا، بعد أن تفتح المحبس وتغلق الباب ستذهب لتستلقي على الأرض بجانب السرير، شيء واحد كان يزعجها، أنها لن تشاهده  وهو يموت.

     

    شوقي عقل

     

    الدوحة مايو 2007

    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/03/18]

    إجمالي القــراءات: [119] حـتى تــاريخ [2017/09/25]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: الليلة الأخيرة
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]