دليل المدونين المصريين: المقـــالات - الطريق إلى حلايب
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  
أعياد ميلاد  ماجدة الصاوي   إيمان عزمي   د.إبراهيم إبراهيم حمروش   د.إبراهيم إبراهيم حمروش   سعيد صلاح النشائى   سعيد صلاح النشائى   شمس 

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     أكتوبر 2018   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: دراسات وتحقيقات
    الطريق إلى حلايب
    شوقي علي عقل
      راسل الكاتب

    في الطريق المحاذي لشاطيء البحر، كاد المشهد الجميل (للفيوردات) يأسرني فأفقد التركيز للحظات، كدت ان اتسبب في أكثر من حادثة. الفيورد خليج صغير مستدير عادة او مستطيل من مياه البحر يحيط به تلال صخرية غير مرتفعة، يفتح على البحر الواسع بقناة صغيرة ضيقة. تنزل ...
      التعليق ولوحة الحوار (1)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?940
    الطريق إلى حلايب
    ***



    لا أذكر كانت فكرة من؟ أنا ام محمد عبد السلام:

    - تحب تطلع حلايب؟
    - نطلع!

    بعدها بشهور نفذنا الفكرة، دعونا صديق للذهاب معنا، فرحب فورا. وفي صباح يوم جميل انطلقنا إلى الغردقة ومنها إلى سفاجة فالقصير حيث قضينا ليلتنا، وفي الصباح ذهبنا الى مرسى علم ومن هناك بدأت رحلتنا الى عالم آخر مجهول في مصر ثري بالجمال وعبق التاريخ. هنا وهناك تجد دائما أثرا لحضارة غابرة مرت بمصر.. مناجم أو قلاعا ساحلية أو طرقا جبلية قديمة منذ الأزل، أو مقامات لأولياء ونساك، كتابة بخط كوفي قديم في درب غير مطروق على جانب صغير منحوت من جبل بالدعاء للملك الصالح مقدم من الحجيج، أشجار مانجروف ونخيلا متراقصة نامية داخل مياه البحر، جمالا ترعى الأشجار في البحر والمياه تغمرها حتى وسطها.

    في الطريق المحاذي لشاطيء البحر، كاد المشهد الجميل (للفيوردات) يأسرني فأفقد التركيز للحظات، كدت ان اتسبب في أكثر من حادثة. الفيورد خليج صغير مستدير عادة او مستطيل من مياه البحر يحيط به تلال صخرية غير مرتفعة، يفتح على البحر الواسع بقناة صغيرة ضيقة. تنزل إليه فتجد مياه هادئة عمقها من نصف متر إلى مترين مليئة بكل أنواع الكائنات البحرية، سمك الديك والشعور والرهوة وثعابين بحرية ملونة وسوداء وريتسا وسمك الخنزيرة وقواقع وكابوريا وكلاماري ومرجان ملون أسفل السطح، ومياه صافية تتيح لك أن ترى أسفلها عالما بريا وحشيا لا يصدق.


    التصاريح

    عودة إلى الحقائق، نحن نعيش في مصر. كي نواصل رحلتنا إلى شلاتين ومنها إلى حلايب، كان لابد أن نحصل على تصاريح مرور من الأمن. كان وجود محمد عبد السلام بجلبابه القصير ولحيته البيضاء معنا في مقابلة الظابط المسؤول عن إصدار التصريح مشكلة. اتفقنا أن نذهب أنا وزميلي دون محمد. قلنا للظابط أننا ثلاثة وأن ثالثنا ذهب ليشتري لنا طعاما.

    كان الضابط مستغربا، سألنا:

    - حا تعملوا ايه في حلايب؟
    - رايحين نتفرج، سمعنا انها حتة حلوة وليها مستقبل.
    - مش حتلاقوا إلا البراغيت والتعابين، بلاش توجعوا دماغكم.
    - معلهش، احنا طلعنا خلاص.

    أعطانا التصريح للوصول إلى شلاتين فقط، قال:

    - ممنوع دخول حلايب، الجيش السوداني قاعد فيها.
    - ولو عايزين نروح لحد عندها؟
    - ممنوع، آخركم شلاتين، كويس إننا وافقنالكم!

    أخذنا التصريح وانطلقنا في طريقنا إلى شلاتين ومنها إلى حلايب، لو وافق السادة الضباط!

    ****

    دير الانبا بولا
    ***



    المسافة من مرسى علم إلى دير الأنبا بولا حوالي 120 كم، كان الوقت صباحا حين بدأنا رحلتنا إلى الدير. القديس بولا هو أول من أدخل التنسك والرهبنة إلى المسيحية، ومنها إلى العالم، مع إشعاع مدرسة الاسكندرية العظيمة. في مصر أقدم مناسك الرهبان في العالم المنعزلة في الصحارى والفيافي البعيدة عن أي عمران كدير الأنبا بولا. الطريق الأسفلتي خال إلا من بعض التلال الصخرية تحيط بنا من حين لآخر، بينما بقيته لا ترى فيه على البعد سوى مساحات شاسعة ممتدة من الرمال المنبسطة الناعمة. حين وصلنا كنا قلقين: كيف يمكن لمحمد عبد السلام بجلبابه القصير ولحيته البيضاء الطويلة الكثيفة وعمامته البيضاء بطرفها المدلى من الخلف، أي باختصار الزي الرسمي للجماعات، كيف له أن يدخل الدير؟؟

    كان الدير مليئا بالزوار، يتحركون في مجموعات هادئة يؤدون أعمالا متفرقة بالدير الكبير. تحت شجرة على سور قصير من الطوب كان يجلس قس بدين. سألناه أين المقام؟؟

    نظر الرجل قليلا إلى محمد ثم أشار بيده صامتا إلى مبنى قائم بعيد. كانت النظرات الفضولية تتابعنا، حين وصلنا للمقام وجدناه مغلقا. قال لنا الحارس:

    - الدخول عشية!
    - لكننا مسافرين؟

    أعاد الرجل ثانية بلهجة صعيدية قوية:

    - الدخول عشية!

    كان بضع عشرات من الزوار واقفين أو جالسين حول المدخل يتطلعون إلينا وينتظرون العشية.

    قال لنا شاب يرتدي نظارة طبية:

    - كلموا أبونا صمويل.

    ذهبنا إلى الأب صمويل، وقلنا له إننا عابرون ولن نستطيع البقاء للمساء، أن يسمح لنا بالزيارة. قال الأب بهدوء دون أن ينظر الينا:

    - الدخول عشية.

    قال محمد عبد السلام:

    - يصح يا أبونا نعدي ولا ناخدشي البركة!

    رفع الرجل رأسه ونظر إلى محمد متفحصا، قام صامتا واصطحبنا إلى الحارس:

    - خليهم يزوروا.

    ***فتح الحارس الباب الخشبي العتيق، نزلنا درجا منحوتا في الصخر إلى ما يشبه القبو تحت الأرض. في نهاية الدرج مساحة رحبة بعض الشيء بها نسوة متربعات على سجادة يعملن في تجهيز وحياكة قماش وترتيب المكان لحفل أكليل أو مناسبة ما. الشموع على الأرفف وهدوء رطب ظليل وسكينة يغلفان المكان. قطعنا الخطوات وسط النسوة حتى وصلنا للمقام، كنت قلقا محرجا من اقتحام المكان وعمل النسوة. أمام المقام عادت إلي طمأنينة غريبة، لعله الإحساس بعمق وقدم انتمائي إلى صاحب المكان، لعله نفس الشعور الذي يجعل إمرأة مسلمة ملهوفة تقف باكية مترجية ملتمسة العون في مقام مار جرجس.


    مقام أبي الحسن الشاذلي
    ***



    من في الصعيد لا يعرف مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي؟ من في الصعيد لم يزره؟ يبعد مقامه عن قنا حوالي مائتي كيلومتر وعن مرسى علم مائتان وعشرون كيلومتر، قطعناهم في الصحراء وحدنا فلم نجد سيارة قادمة أو ذاهبة. لكنك حين تصل تفاجأ ... مولد كبير مزدحم به كل شيء: ألعاب ودراويش ومريدون ولب وحمص وممبار وكفتة ومراجيح وبمب وحلقات ذكر ومقاهي وجزارون وأطفال ونساء.

    تأتي السيارة النصف نقل من الصعيد محملة بالبشر في صندوقها الخلفي، وفوقهم سقف صنع من ألواح الخشب وضع فوقه عزالهم، قماش وعصي لصنع مكان مستور للمبيت، وابورات الجاز والحلل وبرادات الشاي والعدس والأرز والسمن والعيش الشمسي والبتاو والشاي والسكر والعسل الأسود والمش، وكتل اللبن المجفف الصلب (الكشك الصعيدي)..الخ الخ. تدخل السيارة الساحة الواسعة أمام المسجد وتلف سبع لفات وهي تطلق النفير، تشبها في الأغلب بالسعي بين الصفا والمروة.

    كانت الليلة الكبيرة قد اقتربت، لم يبق لها إلا أسبوع. كان المريدون يتوافدون من كل أنحاء الصعيد. العارف بالله أبو الحسن الشاذلي كان في طريقه للحج حين أحس بقرب منيته. اختار مكانا ورقد فيه رقدته الأخيرة. تقول القصة: انبثق الماء حيث رقد الشيخ، وبني فوق قبره مقاما ومسجدا، أصبحت زيارة مقامه تتزامن مع يوم وقفة عرفات، يوم وفاته، فأصبحت زيارته بديلا معنويا لمن لا يقدر على الحج وتكاليفه.

    وتعود مصر القديمة منذ آلاف السنين في ثوب جديد، الاحتفال بولي لكل قرية وكل مدينة، وكبيرهم سيدي أبو الحسن، شيخ مشايخ أهل التصوف وواضع قواعده، صاحب الكرامات، مزار أهل الصعيد وحبيبهم.


    أنا منكم
    ***

    اكتشفت أني أسير بصحبة ولي من أولياء الله! كان الناس يلتفون حولنا، يتطلعون مبهورين إلى طلعة محمد عبد السلام وعمامته وثوبه الأبيض ولحيته المهيبة والزبيبة ووجهه الباسم السمح. اقتربت منا إمرأة عجوز طاعنة تلتمس البركة منه، أمسكت ثوبه، سألها محمد:

    - انت منين ياما؟

    قالت السيدة من خلال فم خال من الأسنان:

    - أنا منكم!

    ضحكنا من جمال المجاملة وتحببها، اقتربت إمرأة شابة فقيرة تتطلع بفضول إلى الولي الذي ظهر بينهم فجأة، ابتسم لها قائلا:

    - غزال!

    امتلأ وجهها بسعادة غامرة، انطلقت فرحة، منحها عبد السلام بلطف ما ستظل تذكره طويلا كحلم جميل في لياليها الجافة البائسة.


    الجَبَنة

    صاح رجل ربعة غليظ القسمات وهو يمسك بيد عبد السلام:

    - علي الطلاق لنجبنيكم!!

    سرنا معه ومعنا جمهور صغير طامح لنيل البركة إلى أحد الخيام المنصوبة من قطع من القماش الممزق المربوط بقوائم خشبية، وجلسنا فوق سجاد قديم لا لون له، لنتجبن!

    عدة الجَبَنة عبارة عن دورق صغير من الفخار (يشبه قلة صغيرة) وعلبة لها يد من سلك مجدول، وهاون خشبي، وفناجيل. الجبنة هي قهوة خشنة مطحونة في الهاون ومغلية في الكوز يضاف إليها جنزبيل لمن يقدر على ثمنه أو شطة أو فلفل أسود للغلبان، وهو الحاصل، ثم تصب بعد غليها في الدورق وتقدم، ويضاف ماء وتغلى ثانية وتقدم. الضيوف وأصحاب المقام الأعلى يشربون الدور الأول، ويليهم الأقل شأنا. تنهال علينا التحيات والترحيب والنظرات لا ترفع عن الشيخ الذي جاءهم من السماء مجسدا صورته المرسومة في مخيلاتهم عن الولي. كانوا يلمسون يده، يمسكون بجلبابه، مبتسمين كالأطفال فرحين بوجوده وسطهم.


    الزبايدة

    سمعنا عنهم قبل أن نراهم، عرب من الجزيرة. أصلهم جميعا منحدر من إمرأة من الجزيرة العربية أتت إلى هنا منذ زمن بعيد اسمها زبيدة ومنها انحدر نسلها، ومنها أخذوا اسمهم. كنا على الطريق حين رأينا خيامهم تبعد عنا بضعة كيلومترات فقررنا زيارتهم. استقبلونا مهللين والتف الأطفال حول سيارتنا، قدموا لنا الجبنة، وأرونا بنادق قديمة لأجدادهم.

    رأينا بعض الشباب الغرباء يتحدثون مع نساء من القبيلة. نساء الزبايدة يستخدمن دهن الغنم ككريم منعم للبشرة، يستقبلن الرجال الأغراب في خيامهن، ويقف رجال القبيلة غير بعيد. كانوا جميعا متشابهين بشكل لا يصدق، متوسطي القامة، ربعي الأجسام، بيض بصفرة، غير مريحين. شعرنا أننا وقعنا وسط لصوص، غادرناهم مسرعين، امتدت أيديهم ونحن نغادر داخل سيارتنا تحاول أن تخطف أي شيء.


    شلاتين

    وصلنا مدينة شلاتين، محطتنا الأخيرة قبل حلايب. كان الليل قد حل والبلدة مضاءة بمصابيح صفراء متناثرة هنا وهناك. شلاتين محطة وصول الجمال القادمة من السودان، عبر طريق طويل يمتد مئات الكيلومترات. يقود مئات الجمال رجلان أو ثلاثة من العبابدة أو البشارية، لا أذكر. المدينة سوق بيع الجمال للمشترين من التجار المصريين.

    لدى دخولنا انقطعت الكهرباء فساد ظلام دامس لا ينيره إلا ضوء النجوم الخافت فالليل مازال في أوله. وبعد لحظات شع ضوء عشرات المصابيح الغازية (البريموس أبو فتيل). بحثنا عن مكتب الشرطة فدلونا عليه، حصلنا على تصريح مواصلة السفر إلى أم رماد من مخبر ينتظر وصولنا.

    أكلنا وجبة فول وجبنة في أحد المطاعم، ووجدنا (فندقا) للنوم. شلاتين بلدة وسمها التجار بطابعهم، متعجلة تبحث عن نقودك، لا تستطيع أن تعبر حاجز (المعاملة) مع الآخرين. المطعم والفندق فائقي القذارة، المياه شحيحة ولكننا استطعنا أن نستحم بأعجوبة. للحظة خلت أنني عدت لزحمة القاهرة وعدوانية البشر تجاه بعضهم، كنت متعجلا مغادرتها، كان بيننا وبين قرية أم رماد محطتنا الاخيرة مائتي كيلومتر، قررنا بدء رحلتنا مبكرين لنكون في أم رماد التاسعة صباحا.


    أوهاج حسين

    وصلنا قرية أم رماد، قريبا من حلايب، بيننا وبينها عشرون كيلومترا فقط، لم يكن مسموحا أن نعبر بعد هذا الحد. كان الوقت مبكر، أخذنا الأطفال المندهشون من وجودنا في بلدهم النائي إلى عشة من الخشب المتهالك المليء بالثقوب، لا تتجاوز ثلاثة أمتار طولا ومثلها عرضا. جاءنا بعد قليل على عجل شيخ القرية، ألقى التحية، كان نائما حين استدعاه الأطفال على عجل:

    - ناس من مصر.

    في العادة لا يأتي من مصر لسكان المناطق الحدودية النائية إلا رجال أمن، ومعهم تأتي المشاكل. كان الرجل الأربعيني ملتفا بحرام صوفي وهو ما زال بدفء الفراش يتطلع إلينا متسائلا ولسانه يرحب بنا:

    - أهلا وسهلا!

    أخبرناه أننا زوار نرغب في زيارة بلده، إذا لم يمانع.

    قال الرجل الحائر:

    - بلدنا؟ أهلا وسهلا ..أهلا وسهلا

    سأله زميلنا:

    عندكم كم مدرسة؟

    نظر الرجل حوله، وقال:

    - والله احنا عندنا مدارس كفاية والحمدلله، أهلا وسهلا، أهلا وسهلا.

    عاد زميلنا وتساءل:

    البنات بيروحوا المدارس؟

    رد الرجل بعد تفكير:

    - طبعا كل الناس بتحب التعليم
    - طيب كام بنت بتتعلم؟
    - والله احنا ما نعرفش العدد، لكن الحكومة مسجلة كل حاجة!
    - طيب والستات بتشتغل؟
    - والله الرزق بتاع ربنا، والحكومة ..
    - طيب والـ....
    - والله الحكومة..أهلا وسهلا، أهلا وسهلا

    كان السؤال التالي على لسان زميلنا ولكن جاء الشاي وابتدأ التعارف. علمنا أن اسمه الحاج حسين، وأن حاج بلهجة الرطانة تنطق أوهاج، والحاجة توهاج، فيصبح اسمه نطقا بالرطانة 'أوهاج هوسين'. اقتنع الرجل بعد بعض الوقت أننا زائرون فعلا لبلده، وأننا لسنا من الحكومة من قريب أو من بعيد، فرحب بنا ببشاشة، وابتسم بطيبة، وأمر بالجَبَنه (المشطشطة) وانطلق يقص علينا.

    كيف اهتمت الحكومة ببلد أوهاج حسين

    قص علينا الحاج حسين أن المياه كانت شحيحة في القرية، وأن نصيب أسرة بأكملها من مياه الشرب كان لا يتجاوز برميل أو برميلين كل شهر، كانوا يجلبون المياه على الدواب من بئر في وادي جبل علبة. ناشدوا المسؤولين كثيرا لمساعدتهم، لتركيب وحدة تنقية أو حفر بئر، ولا من مجيب، إلى أن حدثت المواجهات بين الحكومتين حول حلايب.

    قال الحاج حسين:

    - دلوقت عندنا ميه كتير، كل فرد له عشر براميل في الشهر، يعني الميه بتزيد عندنا، أصل الحكومة طيبة وحلت لنا المشكلة.

    قالها ثم ضحك.

    - لما حصل الخلاف على حلايب، جالنا مسؤول من مصر وسألنا عايزين ايه؟ قلنا له الميه! بعديها بأسبوعين جابوا محطة وركبوها، ووبعدها ركبوا محطة كهربا، الله يبارك لنا في حلايب.

    - انتم سودانيين ولا مصريين يا أوهاج حسين؟

    رد الرجل المبتسم بجدية:

    - احنا من هنا، ناسنا عايشين في أسوان وفي قنا، وتلاقينا من هنا لحد جبل النوبة في السودان، إحنا بنروح ونيجي ودي أرضنا، تقدر تقولي انت احنا منين!

    كنا أحضرنا معنا شاي وعلب معسل وسجائر هدايا، أعطيناه بعضها فقبلها شاكرا، أهدانا ونحن مغادرين برطمان عسل نحل جبلي كبير جمع من خلايا نحل بري يتغذى على زهور وادي جبل علبة.


    الورد في جناين مصر

    في المساء التقينا بالضباط، مقدم من حرس الحدود وآخر من أحد الأجهزة الأمنية، والثالث ضابط شرطة عادي.

    كانت النجوم تنير السماء، لا يعرف جمالها إلا من شاهدها في ليل صحراء هادئة بعيدا عن المدينة. إن استلقيت على الرمل الناعم ونظرت لها طويلا، تخطفك وتغيب فلا تجد نفسك إلا عند ما تمسح وجهك أشعة شمس الصباح. كنا نتسامر معهم في السكون المخيم، الذي لا يقطعه سوى صوت تتابع موج البحر الرتيب.

    كان الرائد منقولا من إحدى مدن القناة، صدق الرجل واجباته، فتصدى لتجار المخدرات وأردى أحدهم قتيلا حين لم يتوقف وأطلق النار عليهم حين طلبوا منه التوقف وهو يعبر القناة بحمولته. أخبرنا:

    - نقلوني علشان ما اتقتلش.

    كان شابا رياضيا وسيما، يبتسم وهو يقص علينا:

    - خليتهم يبطلوا شغل، ما حدش كان يقدر يهوب ناحية منطقتي.

    كان ضابط الشرطة يتفحص عبد السلام. أخبرونا أن الجيش السوداني داخل مدينة حلايب. أصبحت حلايب جيبا يمتد من الحدود السودانية داخل خط عرض 22 لعدة كيلومترات يحاصره الجيش المصري، أخبرونا أننا لن نستطيع رؤية حلايب.

    كنا نود أن نصل إلى الحدود، قال المقدم الوسيم:

    - بكره نخليكم توصلوا هناك، ناخدكم جبل علبة.

    تحدثنا عن حلايب، عن قيمة الصراع حول المكان، عن المستقبل.

    قال ضابط الجهاز الأمني:

    - في المستقبل، حكومة هنا أو هناك يجيلها تعليمات من أمريكا تعمل معركة وتبقى حلايب قضية، وتيجي قوات الأمم المتحدة، أمريكية وإسرائيلية يعني، وتقعد هنا.

    أشار إلى بعيد:

    - وبكده تبقى مصر اتقفل عليها من كل الجهات!

    سألني:

    - قلتلي اسمك ايه؟

    أخبرته

    - أنا شفته في حتة!ّ

    صمت منتظرا

    - أيوه، انت ليك مقال في مجلة وجهات نظر.

    هنا بعيدا عن القاهرة بما يزيد عن ألف كيلومتر، في منطقة نائية معزولة، قابلت من يخبرني أنه قرأ لي مقالا، لم يخبرني أحد من قبل أنه قرأه، كانت مفاجأة جميلة.

    كان ضابط الشرطة يسأل عبد السلام أسئلة متلاحقة وهو يحدق في وجهه، فيرد عليه محمد مبتسما. أعطانا الضباط إحدى الاستراحات لننام فيها، قبلناها شاكرين. كنا متعبين بعد يوم طويل مرهق، فاستغرقنا في نوم عميق.


    جبل علبة
    ***

    في الصباح، انطلق المقدم امامنا بسيارة جيب تويوتا لاندكروزر، كان يطوى السهل الممتد بأرضه المغطاة بالحصى الصغير ونحن خلفه بسيارتنا الجالوبر. في الأفق بدا الجبل ممتدا غير مرتفع كثيرا سوى بضع مئات من الأمتار كمثيله من جبال البحر الأحمر.

    لا يبعد وادي وجبل علبة سوى حوالي عشرين كيلومترا عن أم رماد، نهاية الجبل على البحر حيث تقع مدينة حلايب. اكتشف أحد المهتمين بدراسة المنطقة (أوروبي بالطبع) أن الوادي يحتوي على العديد من الحيوانات ومنها الفهد الصياد (الشيتا). كان ذلك الأمر مهما لكون تلك الفصيلة مهددة بالانقراض، تم عمل تزاوج بين الفهد الصياد المصري ومثيله في كينيا والجنوب الافريقي.

    توقف أخيرا بجوار بضع أشجار وتوقفنا وأخذنا بعض الصور، مر من بعيد ثعلب، كانت الأرض السهبية مغطاة بعشب أخضر صغير، وحجارة السيل الملونة المستديرة الصغيرة تغطيها. المشهد جميل ساحر، ككل شيء في مصر كانت الطبيعة هادئة رخية منبسطة، لا قيمة للجمال إن لم يجد من يعرفه، لا نعرف جمال ضوء قمر في ليلة صيف ناعسة ان لم يره انسان، لا تدرك إمرأة إنها جميلة ما لم ترى ذلك في عين شاعرها، ما أكثر الجمال المهدر في وطننا، كنت أفكر: ماذا لو..؟؟ طوال الطريق في كل مكان لم يفارقني السؤال: ماذا لو..؟؟!!

    في اليوم التالي غادرنا ابو رماد، اصر المقدم ان يعطينا سمكة (بغبغانة) هائلة الحجم اصطادها بنفسه، شكرناه لكرمه ولكننا لم نكن نعرف اين سنضعها في رحلة العودة الطويلة، لم يتسع لها ( الايس بوكس) الكبير! في الفجر تسللنا عائدين من ابو رماد بعد ان تركنا السمكة للجنود، كان الضباط مازالوا نائمين، ودعنا اوهاج واهل بلده ومضينا عائدين صامتين الى القاهرة.
    شوقي عقل

    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2008/05/20]

    إجمالي القــراءات: [532] حـتى تــاريخ [2018/10/17]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: الطريق إلى حلايب
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    ©2006 - 2018 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]