دليل المدونين المصريين: المقـــالات - محنـــة الجامعـــات المصريــة
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     ديسمبر 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: السياسة والرأي
    محنـــة الجامعـــات المصريــة
    الدكتور عمر السباخي
      راسل الكاتب

    قد يبدو للوهلة الأولي أن موضوع هذه الدراسة بعيد الصلة باهتمامات اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية وحقيقة الأمر خلاف ذلك فالاستعمار والصهيونية يريدان القضاء علي كل خلية حية في جسم الوطن العربي، وفي القلب منه الجامعات المصرية، فهي بمثابة الرأس من
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?776
    اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

    محنـــة الجامعـــات المصريــة
    جامعة القاهرة

    بقلم : الدكتـــور عمر السبــــاخي
    الأستاذ بكلية الهندسة جامعة الاسكندرية

    قد يبدو للوهلة الأولي أن موضوع هذه الدراسة بعيد الصلة باهتمامات اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية وحقيقة الأمر خلاف ذلك فالاستعمار والصهيونية يريدان القضاء علي كل خلية حية في جسم الوطن العربي، وفي القلب منه الجامعات المصرية، فهي بمثابة الرأس من الجسم، فالجامعات تمد الوطن بالكوادر المتعلمة في شتي المجالات: الصناعة والزراعة والجيش....الخ. ومن جهة أخري فإن الجامعة المصرية ولدت وطنية وعاشت وطنية، أنشأها أبناء الشعب بقروشهم وتعهدها بالرعاية مفكروه مثل مصطفي كامل وأحمد لطفي السيد وسعد زغلول والشيخ مصطفي عبد الرازق ...الخ وكان طلبتها في مقدمة الصفوف لمحاربة الاستعمار والرجعية.


    يقول الشيخ أمين الخولي أحد الأساتذة الكبار بالجامعة المصرية ( ...لكي تستشرف المستقبل عليك أن تقتل الماضي بحثاً ). لذا فسنذكر فيما يلي من سطور نبذة عن تاريخ الجامعة.


    موجز تاريخ الجامعة المصرية

    يرجع تاريخ نشأة التعليم العالي في مصر إلى فترة باني مصر العظيم محمد علي، والذي جعل من نظم التعليم أداة لخدمة أغراضه وحاجات الجيش والأهداف الاقتصادية لمشروع النهضة الذي تبناه. أهتم محمد علي منذ عام 1811 بالمدارس العليا المتخصصة، فانشأ المدرسة الحربية في أسوان عام 1816 علي يد سليمان باشا الفرنساوي، وفي نفس العام أُنشأت مدرسة المهندسخانة في القلعة ، وانتقلت إلى بولاق عام 1834 بعد توسعتها، أما مدرسة الطب بأبوزعبل فكانت ملحق بالمستشفي العسكري عام 1827 تحت رئاسة الطبيب الفرنسي كلوت بك، ثم نقلت إلى قصر العيني عام 1837 ومازالت فيه حتى الآن (حوالي 170سنة!)، وكانت الدراسة في كل تلك المدارس باللغة العربية. وقد انتكس مشروع محمد علي بتسوية لندن (عام 1941)، وفرض عليه تسريح الجيش المصري وانكماش النشاط الاقتصادي والعسكري للدولة. وفي عهد عباس الأول (1848&ndash;1854) تم إلغاء بعض المدارس العليا وتدهورت أحوال التعليم واستمر الوضع كذلك في عهد سعيد(1854-1863)

    ومع قدوم الخديوي إسماعيل ( 1863-1879) بدأت حركة إحياء حقيقية للنظام التعليمي عامة والمدارس العليا بصفة خاصة، حيث صدر فرمان 1863 بالتوسع في المدارس التجهيزية ( الثانوية) في القاهرة والإسكندرية، كما أنشأت بعض المدارس العليا الجديدة. وفي عام 1868 تولي علي مبارك باشا ديوان المدارس فجمع عدداً من المدارس العليا بدرب الجماهير وأقام معملاً للكيمياء والفيزياء ومكتبة عامة ومدرجا كبيراً للمحاضرات العامة في شتي المعارف، فكادت أن تحين الفرصة لإنشاء جامعة مصرية لو قيض لهذه التجربة الاستمرار والتشجيع من جانب الدولة.


    أما في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر ( 1882- 1956) فقد اتجهت السياسية التعليمية إلى تقليل عدد الملتحقين بالتعليم العالي من المصريين، حتى تظل المراكز القيادية في الدولة في يد الإنجليز، وبذلك يضمنوا التحكم في كافة الأمور. لذا فانهم لجأوا إلى تقليل عدد طلاب المرحلة الثانوية فهي التي تمد المدارس العليا بطلابها،وشجعوا إقامة الكتاتيب. كما انهم صبغوا التعليم بالصبغة الإنجليزية فجعلوا الدراسة في مدرسة الطب باللغة الإنجليزية بدءا من عام 1898 بدلاً من العربية، وتم إلغاء القسم الفرنسي بمدرسة المعلمين، وإنشاء قسم بمدرسة الحقوق للدراسة باللغة الإنجليزية عام 1899،واتجهت البعثات التعليمية إلى بريطانيا بعد أن كانت تتجه إلى فرنسا.

    ومنذ بداية القرن العشرين ارتبط الكفاح الوطني ضد الإنجليز بمعارضة سياستهم التعليمية، وتنادت أصوات المفكرين والزعماء بضرورة إصلاح أوضاع التعليم العالي.

    وفي ظل هذا المناخ بزغت الدعوى إلى تأسيس ( الجامعة المصرية). وساهمت الصحافة بنصيب وافر في الدعوى إلى إنشاء هذه الجامعة فاخذ جرجي زيدان يبشر بذلك بل انه اقترح علي المدرسة السورية الإنجيلية ( والتي صارت فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت) أن تنشأ فرعا لها في القاهرة. وكان محمد عبده من أوائل من شجعوا إقامة جامعة مصرية، وذلك بعدما واجه من مقاومة لمشروعه في تطوير التعليم الأزهري. كذلك ساهم مصطفي كامل في الدعوى إلى فكرة الجامعة المصرية بل انه نجح في جمع بعض التبرعات من الأثرياء. وافتتحت الجامعة الأهلية رسمياً في 1908 وأوفدت بعثة من عشرة طلاب يدرس نصفهم الآداب والنصف الأخر العلوم الطبيعية ليكونوا نواة لهيئة التدريس بعد عودتهم. وبدأت الجامعة نشاطها بأربعة مقررات : في تاريخ الحضارات الشرقية القديمة- تاريخ الحضارة الإسلامية &ndash; تاريخ الآداب العربية- تاريخ الآداب الفرنسية. وكانت العربية هي لغة التدريس بالجامعة، وكان الأمير أحمد فؤاد أول رئيس لمجلس الجامعة. وقد خطت الجامعة خطوة جريئة عندما خصصت قسماً بها لدراسة النساء، وقد آثار ذلك حفيظة المحافظين فكانواً يقدمون الشكاوي للجهات المختصة، بل ويتحرشون بالنساء لإثنائهن عن مواصلة الدراسة. واستمر العمل في الجامعة الأهلية من 1908 حتى 1924 ومنحت الجامعة درجتي الليسانس ثم الدكتوراة. وأضافت الجامعة إلى أقسامها قسماً لدراسة الحقوق عام1917. وبرغم كل هذا النشاط فقد ظلت الجامعة بلا مقر خاص، وعانت أزمة مالية خانقة أثناء الحرب العالمية الأولي، ما أضطرها إلى التوقف عن الإنفاق علي الطلبة المبعوثين في بعض الأحيان. كما أن الدولة وضعت في طرقها العراقيل فلم تعترف بشهادتها حتى أدخلت بعض ممثليها في مجلس الجامعة. لذا فقد اتجه تفكير القائمين علي أمر الجامعة، وكذا الرأي العام والحكومة إلى إدماج المدارس العليا القائمة مع أقسام الجامعة الأهلية، لتتكون الجامعة الجديدة من كليات الآداب والعلوم والطب والهندسة والحقوق والزراعة والتجارة، وقد تم ذلك عام 1925. وخصصت الدولة جزءاً من ميزانيتها لهذه الجامعة، كما شكلت لجنة لإدارة الجامعة بشكل تحافظ فيه علي استقلالها، إذ اشترطت الجامعة الأهلية أن (تكون الجامعة المصرية معهداً عاماً محتفظة بشخصيتها المعنوية وتدير شئونها بكيفية مستقلة تحت إشراف وزارة المعارف كما هو الحال في أوروبا). لكن الحكومة بمرور الوقت انتقصت من هذا الاستقلال المنشود، حتى كادت الجامعة أن تفقده تماماً!.


    استمرت جامعة القاهرة ( فؤاد الأول) هي الجامعة الوحيدة، ثم أنشأت فرعين لكليتي الآداب والحقوق في الإسكندرية ( جامعة فاروق الأول) عام 1942،ثم أنشأت جامعة عين شمس (إبراهيم باشا) عام 1950، وجامعة أسيوط ( محمد علي باشا) عام 1957، جامعة طنطاً عام 1972، وجامعة المنصورة عام 1972، جامعة الزقازيق عام 1974، وجامعة حلوان عام 1975، جامعة المنيا 1976، جامعة المنوفية 1976 ، جامعة قناة السويس 1976، وجامعة الوادي الجديد عام 1995.


    الجامعة والحركة الوطنية

    كانت الجامعة دائماً بؤرة للنشاط الوطني من أجل استقلال الوطن ومقاومة الرجعية، وشارك في هذا أعضاء هيئة التدريس علي قدر ما سمحت به الظروف. ويعود الفضل إلى الزعيم مصطفي كامل في الاهتمام بالطلبة كقوة هامة في الكفاح الوطني، فهو الذي أنشأ (نادي المدارس العليا) عام 1905 لتثقيف الطلبة سياسياً. وقد حرصت الأحزاب السياسية علي كسب الطلبة إلى جانبها، وكأن لحزب الوفد القدح المعلي في هذا الشأن حتى منتصف القرن العشرين، عندما بدأت الجماعات الأيديولوجية ( مثل الأخوان المسلمين والتنظيمات الشيوعية- ومصر الفتاة) تنافس في اجتذاب الطلبة. وبرغم ما قامت به أحزاب الأقلية من إصدار قوانين لتجريم النشاط السياسي في الجامعة، فقد ظل الطلبة منخرطين في العمل السياسي بكافة صوره. ونذكر فيما يلي بعض الأحداث الهامة في تاريخ كفاح الحركة الطلابية.


    انتفاضة 1935 وتشكيل الجبهة الوطنية.

    كان دستور 1923 قد ألغي في عهد إسماعيل صدقي، وفي عام 1934 ألغت الوزارة الدستور الصادر عام 1930 والذي كان لا يحظى برضا الشعب. واصدر صمويل هور وزير الخارجية البريطانية تصـريحاً أعلــن فيـه أن بريطـانيا ليس لديـها نية لإعـادة دسـتور (1923 لأن به من الحريات ما لا يناسب أوضاع مصر، أو دستور 1930 لأنه لا يحظي برضا الشعب. وقد أثار هذا التصريح ثائرة الجماهير، فعقد الطلبة اجتماعاً داخل الحرم الجامعي في ذكري عيد الجهاد ( 13 نوفمبر) أدانوا فيه موقف بريطانيا ثم خرجوا في مظاهرة كبيرة سارت علي كوبري عباس فقابلها البوليس بالرصاص فسقط من طلبة الجامعة محمد عبد الحكم الجراحي ومحمد عبد المجيد مرسي...واستمرت المظاهرات عدة أيام بقيادة مجلس اتحاد الطلبة الذي أرسل برقية احتجاج إلى عصبة الأمم، وتضامن معهم أعضاء هيئة التدريس. ثم شكل الطلبة بعد ذلك ( اللجنة العليا للطلبة) والتي طافت علي الأحزاب تدعوها لتشكيل جبهة وطنية تستطيع مجابهة الإنجليز. وقد كان من نتيجة ذلك سقوط وزارة نسيم التي قامت آنذاك وعاد دستور 1923 مع عودة حزب الوفد إلى الحكم. وهكذا أدت حركة الطلبة إلي تحريك الموقف السياسي بصورة فاعلة.


    أحداث عام 1946 وتكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال.

    عانت مصر أزمة خانقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وازدادت البطالة بين الخريجين، وثبت أن معاهدة 1936- التي أبرمتها بريطانيا مع الوفد قبل الحرب العالمية الثانية&ndash; قد أصبحت قيداً ينتقص من السيادة الوطنية وأماني مصر القومية. وظهر علي الساحة العديد من التنظيمات السياسية التي تشكلت خارج الأحزاب لتجتذب إليها العديد من الطلبة الذين يأسوا من إمكانية إصلاح الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر من خلال النظام السياسي الحزبي القائم . في عام 1945 كون الطلبة لجنة تنفيذية تعبر عن القوي السياسية الفاعلة في الساحة ودعوا إلى مؤتمر عام للنظر في الموقف السياسي وتأخير رد بريطانيا علي طلب إعادة النظر في معادة 1936. واندلعت المظاهرات متجهة إلى قصر عابدين لتسليم مذكرات الاحتجاج فاستقالت وزارة النقراشي وتكونت وزارة إسماعيل صدقي الذي استطاع تفتيت اللجنة التنفيذية، فتكونت ( اللجنة الوطنية للطلبة والعمال) من ممثلي الوفد والتنظيمات الشيوعية وقررت جعل يوم 21 فبراير 1946 يوم الجلاء يقوم فيه المصريون جميعاً بإضراب عام. وكانت استجابة الشعب عظيمة في ذلك اليوم وزحفت الجماهير إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير حالياً) وأطلق الإنجليز النار علي المتظاهرين وتكررت مذبحة كوبري عباس وانتقلت المظاهرات إلى الإسكندرية في 4 مارس 1946 ثم إلى باقي مدن مصر. وكان لهذه المذبحة التي حدثت يوم 21 فبراير 1946- صداها في العالمين العربي والإسلامي، وصار هذا اليوم هو ( يوم الطلبة العالمي) تكريماً لنضال طلبة مصر.


    الحركة الطلابية في ظل ثورة 1952:

    عند قيام ثورة 1952 كان النشاط السياسي موزعاً بين الوفد والإخوان والتنظيمات اليسارية وحزب مصر الفتاة. وتشكلت جبهة وطنية من ممثلي الطلاب مع بعض أعضاء هيئة التدريس تدعو إلى الديمقراطية، وبعد أحداث مارس 1954 وفصل الكثير من القيادات الفكرية من أعضاء هيئة التدريس جرم النشاط السياسي وحلت الأحزاب وتكونت هيئة التحرير التي استقطبت بعضاً من الطلبة وهيئة التدريس وخيم علي الجامعة جو كئيب من التوجس والقلق ، ولم يتم استئناف النشاط السياسي في الجامعة إلا في الستينات من القرن الماضي وكان قاصراً علي أعضاء الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب وتعرضت التيارات السياسية المعارضة إلي ضربات موجعة علي يد أجهزة الأمن التي تغلغلت في الجامعة ونشرت الذعر في الوسط الجامعي. وحين حدثت هزيمة 1967 تكشف حجم الفساد في أجهزة الدولة، خاصة الجيش تحت قيادة المشير عامر، وانفجر الغضب المكبوت في الصدور في صورة مظاهرات فبراير 1968 والتي خرجت معترضة علي الأحكام المخففة لقادة الطيران والمدرعات ، ومطالبة بإطلاق الحريات العامة واستقلال اتحادات الطلبة .... الخ. واستجابت الدولة لتلك المطالب فأعادت محاكمة قادة الطيران والمدرعات، ثم جاءت ردود فعل أخري من نادي القضاة وصدر بيان مارس 1968 استجابة للمطالب الجماهيرية والتي كان في مقدمتها مطالب الحركة الطلابية. وعندما تكشف للطلبة عدم جدية السلطات في تفعيل مقررات بيان 30 مارس 1968، اندلعت مظاهرات عارمة في جامعة الإسكندرية في نوفمبر 1968، فأغلقت الجامعات المصرية لمدة قاربت الشهر.

    وفي عهد السادات أجريت أول انتخابات لاتحاد الطلبة بعيداً عن تدخل الجهات الأمنية ورفع الطلبة شعارات سياسية ضد المبادرات السلمية وضرورة أن تكون المعركة مع إسرائيل شعبية بجانب الجيش. وقامت المظاهرات الطلابية في جامعة القاهرة في يناير 1972 اعتراضاً علي سياسة اللاحرب واللاسلم، واحتل الطلبة ميدان التحرير، وأيد حركة الطلبة رموز الثقافة والفكر ووقعوا عريضة الكتاب التي تبنت مطالب الطلبة، وكأن علي رأس الموقعين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأحمد بهاء الدين.


    الجماعات الإسلامية في الجامعة

    بعد أن تولي السادات السلطة في سبتمبر 1970 تخلي تدريجياً عن الثوابت الوطنية التي التف حولها الطلبة سواء فيما يختص بالسياسة الخارجية ( تحرير الأرض العربية- العداء مع إسرائيل ....الخ) أو بالنسبة للسياسة الداخلية ( العدالة الاجتماعية &ndash; الديمقراطية &ndash; التنمية الشاملة ...الخ). وكانت انتفاضات الطلبة في الفترة الأولي من حكمه (1970-1975) مصدر إزعاج له، فلما تحقق &quot; نصر&quot; أكتوبر 1973 قام ببعض التغييرات التي أعطاها بريقاً ديمقراطيا، غير أن أخطر ما فعله علي صعيد الوطن والجامعة هو تشجيعه للجماعات الإسلامية وإغماض العين عن تجاوزاتها وممارساتها داخل الجامعات (سيما جامعة أسيوط). ولمن يتشكك في هذا الرأي، عليه الرجوع إلى مذكرات حسن أبو باشا (رئيس جهاز أمن الدولة ووزير الداخلية الأسبق) والتي أصدرتها دار الهلال، وكذا كتاب الدكتور حسن بكر ( العنف السياسي في مصر 1977 &ndash; 1993) الصادر عن مكتبة الأسرة 2005. استطاعت إذن الجماعات الإسلامية السيطرة علي الاتحادات الطلابية بعد محاصرة وضرب القوي اليسارية، ووقفت الضغوط الحكومية والأمنية عاجزة عن وقف نجاحات التيار الإسلامي في السيطرة علي الاتحادات الطلابية.

    لقد أطلق السادات العفاريت من القمقم ثم لم يستطيعوا صرفهم،وهكذا انقلب السحر علي الساحر! وكان من نتيجة ذلك اختفاء النشاط الثقافي الترفيهي وجمعيات الشعر والموسيقي والآداب والمعارض الفنية والفرق الرياضية وأسبوع شباب الجامعات والرحلات والحفلات. وفي عبارة موجزة اختفت العملية الثقافية المصاحبة للتعليم حتى يتخرج الطالب منفتحاً علي كافة الأفكار والآراء، فتلك هي رسالة الجامعة وليس تخريج طالب يستذكر دروسه ويجتاز امتحاناته، لكنه غير قادر علي التفكير المستقل والمشاركة الواعية فيما يحيط به في المجتمع من قضايا ومشاكل.

    وبدلاً من معالجة المشكلة من جذورها أصدر السادات لائحة طلابية جديدة عام 1979 وألحقت بقانون تنظيم الجامعات.....فقضت تماماً علي استقلالية الحركة الطلابية وصادرت الحريات ...فألغي بذلك لائحة ( اتحاد طلاب الجمهورية) والتي صاغها الطلبة بأنفسهم عام 1976، وبرغم كل هذه القيود فقد عجزت الدولة والأمن عن وقف التيار الإسلامي في الاتحادات الطلابية فلجأت إلى أسلوب البلطجة والعنف والتزوير مما حول الجامعة إلى معسكر يحكمه الأمن بدلاً من أن تكون ساحة للحوار والفكر الحر!.... وسنعود إلى هذا الموضوع فنعرضه بشيء من التفضيل فيما بعد. وسنستعرض فيما يلي أهم المشاكل التي تعاني منها الجامعة مما أدي إلى قصورها عن أداء الرسالة المنوطة بها، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة وظائف: تخريج أجيال مسلحة بالعلم والمعرفة وقادرة علي مواجهة تحديات العمل &ndash; البحث العلمي وتقديم الحلول لمشاكل الوطن في كافة مجالات الحياة &ndash; القيام بالتفاعل مع قوي المجتمع لتحقيق التنمية البشرية.


    زيادة أعداد الطلبة

    تدهور التعليم الجامعي في السنوات الأخيرة بصورة شديدة التسارع : يتكدس الطلبة في المدرجات والفصول مما يقطع التواصل بينهم وبين المحاضر، ولا يستوعب الطلبة ما يدرس لهم برغم انه أقل بكثير مما ينبغي ....ويعتمد غالبية الطلبة في تحصيلهم علي ملخصات أو مذكرات رسمية..... وتنتشر الدروس الخصوصية كتعليم بديل ...... وفي نهاية التعليم الجامعي لا يعرف الطلبة كيف يجرون أبحاثهم بأنفسهم ، أو حتى أن يعبروا عن أفكارهم بطريقة تضمن التواصل العقلي مع الآخرين ، كما وأنهم لم يتعلموا النظرة النقدية للأمور . ويستسهل البعض فيعزو ذلك إلى زيادة أعداد الطلبة . لكن هناك من يردد ذلك هادفاً إلى إغلاق باب الجامعات أمام جموع الطلبة، أو اختيارهم طبقاً لقواعد أخري غير قاعدة المجموع التي قام عليها مكتب التنسيق. ونود أن نقول ما يلي:-

    أولاً: إن زيادة عدد الطلبة في الجامعات ظاهرة عالمية لا تنفرد بها الجامعات المصرية،وذلك نتيجة لديمقراطية التعليم التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فحولت الجامعة من مكان للصفوة والنابغين إلى غير ذلك سواء بالنسبة للطلبة أو أعضاء هيئات التدريس. وقد واجهت الدول الأوروبية مشكلة جامعات الأعداد الكبيرة ليس بخفض أعداد الطلبة الملتحقين بالجامعة الجديدة،بل لجأت إلي الحل الوحيد ألا وهو التوسع في بناء جامعات جديدة في المحافظات المختلفة ، وتكوين أعضاء هيئات التدريس التي تحتاجها الجامعات الجديدة ، والي إدخال تخصصات جديدة في التعليم الجامعي، وتقنيات جيدة في طرق التدريس ( من خلال الإنترنت مثلاً)، والي إنشاء الجامعة المفتوحة في إنجلترا لمن لا تمكنهم ظروفهم من الانخراط في التعليم الجامعي الرسمي.

    الرقم القياسي الذي اعتمدته اليونسكو هي جامعة لكل 1.5 مليون من السكان، أي إننا نحتاج إلى 45 جامعة ( في إنجلترا وعدد سكانها أقل من مصر يوجد ما يقرب من 50 جامعة). والآن لنتأمل قليلاً في المصطلح الشائع( زيادة أعداد الطلبة ) . إذا كان المقصود أن أعداد الطلبة كبيرة بالنسبة للإمكانيات المتاحة من معامل ومدرجات وهيئات تدريس فإن هذا صحيح. ويكون المطلوب هو زيادة أعداد الجامعات مكتملة المعامل والإمكانيات وأعضاء هيئة التدريس، وبدلا من طرح شعار (زيادة أعداد الطلبة) الذي يضلل البعض فيلقي بالتبعة علي سكان مصر وأهلها لأن عددهم يتزايد، نطرح شعار ( تقاعس الدولة عن بناء جامعات جديدة). ولعل هذه فرصة لنؤكد أن لعبة المصطلحات تستخدم انحيازات أيديولوجية، وأن المصطلحات ليست محايدة دائماً ( والأمثلة عديدة ، فإطلاق اسم المستوطنات علي الأرض المغتصبة هو انحياز أيديولوجي ...الخ) . أما إذا كان المقصود بمصطلح ( ازدياد أعداد الطلبة) أن عددهم زاد عن احتياجات المجتمع المصري فهذا غير صحيح. خذ مثلاً لذلك كليات الطب: هناك طبيب لكل 800 نسمة من السكان في مصر وهذا رقم كبير جدا بالنسبة للبلاد المتقدمة حيث يوجد طبيب لكل 200 نسمة. قد نأخذ بأعداد الأطباء في المدن الكبري، لكن إذا ذهبت إلى الريف والمدن الصغيرة فلن تجد هناك الخدمات الطبية المناسبة من وحدات رعاية ومستشفيات ومعامل ...الخ. أي انه بينما يتدهور المستوي الصحي للشعب في مجموعه نريد أن نقلل عدد الخريجين من الأطباء ، وإذا تحدث البعض عن البطالة بين خريجي الطب، فلأنهم لم يجدوا مستشفيات ووحدات صحية يعملون بها، وهو ما يجب علي المجتمع أن يوفره لهم.

    إن كل المؤشرات تفرض زيادة عدد الطلبة والتوسع في التعليم الجامعي، ولو أن ذلك تم لأختفي كابوس الثانوية العامة وما يحيط بها من مشاكل ومصاريف ضخمة تتحملها الأسرة، ولكن يجب أن يتم ذلك من خلال خطة تنمية شاملة تفعل كافة قوي المجتمع وتستنهض عزيمته وطموحاته وإمكانياته الكامنة. أن نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي إلى الفئة العمرية 18-23 سنة تقدر بحوالي 15 %، وفي الفلبين 25% ، 27% (لبنان) ، 43% (الأرجنتين)، 25% (الأردن)، 25% ( اليونان) ، 35% ( إسرائيل)، 76% (أمريكا)، 85% (كنداً) ...

    ورغم أن النسبة لا بأس بها في مصر ويمكن تصنيفها علي أنها متوسطة، إلا أنها أقل من طموحاتنا لمستقبل أفضل لمصر. هناك أيضاً سوء توزيع للطلبة علي التخصصات المختلفة. فنسبة الطلبة (والطالبات) في الكليات العملية 34% وفي الكليات النظربة 66%، أما نسبة الإناث إلى المجموع الكلي للطلبة فتبلغ 23%. وفي مصر تبلغ نسبة الحاصلين علي مؤهل جامعي من جملة القوي العاملة (15-60 سنة) 5% ، وتصل في الدول المتقدمة ما بين 15 إلى 35%. أما بالنسبة لمشكلة البطالة فإن المشكلة لا تكمن في أعداد الخريجين في سوق العمل، وإنما وكما قلنا سابقاً في ضعف مجالات الاستثمار ومعدلات النمو الاقتصادي وقلة المشروعات الاقتصادية التي توفر فرص العمل لمختلف التخصصات. ومن المؤشرات ذات الدلالة بخصوص مشكلة البطالة أن هذه النسبة أقل ما يمكن بالنسبة لخريجي الجامعات بالمقارنة بخريجي المستويات التعليمية الأدني، فهي 87% (في الشهادات المتوسطة) ، 9% ( الشهادات فوق المتوسطة)، 4% ( لخريجي الجامعات)، ( تصريح وزير القوي العاملة في 19 /11/ 1994- جريدة الأهرام). ورغم إن هذه الأرقام مضي عليها ثلاثة عشر عاما، فأغلب الظن هو ثبات النسب بين مستويات البطالة في المراحل التعليمية المختلفة. وأخيراً فإن كثيراً من النقد يوجه إلى الجامعة لأنها لا تعد خريجيها إعداد كافياً لدخول سوق العمل بالكفاءة اللازمة. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الجامعة تهييء طلابها تهيئة عامة لممارسة المهنة بحيث يمكنهم اكتساب المهارة في تخصصاتهم العملية بقليل من التدريب، وهو ما يجب أن توفره لهم جهات عملهم. أي أن قسطاً كبيراً من النقد الموجه إلى الجامعة في هذا الشأن، إنما يقع علي عاتق مواقع العمل التي ينبغي أن تقدم دورات منظمة للمقبولين في العمل لإعدادهم وتوجيهم.


    البحث العلمي في الجامعات

    يرتبط البحث العلمي بالتوجهات السياسية للدولة وخطتها الاستراتيجية في التنمية، ويظهر ذلك بوضوح في حالة مصر. ففي عهد محمد علي( 1805 &ndash; 1848 ) كان الهدف الأساسي للدولة إقامة جيش وطني يحقق الطموحات السياسية للحاكم، لذا فقد انشأ المصانع الجديدة في مجالات عديدة لها ارتباط وثيق ببناء الجيش، وأقام العديد من المدارس الفنية، وأرسل العديد من البعثات في مجالات الطب والهندسة والنسيج. ولعل من أظهر الأمثلة لارتباط البحث العلمي بأولويات الإنتاج وبالأهداف القومية استنبات القطن طويل التيلة علي يد المهندس الفرنسي جوميل وتعميم زراعته في صعيد مصر كمحصول رئيس للتصدير، وترتب علي ذلك ازدهار صناعة المنسوجات والسفن الحربية. وبرغم أن تجربة محمد علي قد أخفقت لعدة أسباب لا مجال لتفصيلها في هذا المقام،وأغلقت العديد من المدارس والمصانع، إلا أنه تم إنشاء المؤسسات العلمية الأولي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي شغلت برفع خرائط مصر المساحية وتضاريسها وطبيعة صخورها وأسرار النيل. كما أنشأت مؤسسات لتوحيد القياس والرقابة علي الواردات،ونالت الزراعة &ndash;وبالذات محصول القطن &ndash; النصيب الأكبر من الاهتمام، والذي صحبه اهتمام بضبط النيل وأقيمت العديد من المشروعات المائية اللازمة. كما قامت الدولة بإنشاء الجمعية الملكية الزراعية التي قامت باجراء التجارب والأبحاث لتهجين القطن ضمانا لتفوقه في السوق العالمي. ومع ظهور بوادر الحرب العالمية الأولى والثانية وضعف الاستيراد دخلت مصر ميدان الصناعة سيما صناعات الزجاج والحراريات والغزل والنسيج، وصاحب ذلك اهتمام بالبحث العلمي الذي رأي المستثمرون الجدد أهميته في تثبيت دعائم نشاطهم والارتقاء بمنتجاتهم. وواكب هذا الاهتمام إنشاء المركز القومي للبحوث قبيل الحرب العالمية الثانية، وأوفدت الحكومة بعثات عديدة إلى الخارج، واهتمت بالمدارس والمعامل وحولتها إلى كليات جامعية، ومع عودة المبعوثين في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبح للكليات العلمية شأن كبير في ميدان البحث العلمي،وتكونت مدارس علمية ذاعت شهرتها في أرجاء الدنيا.... في ذلك الوقت كانت تنمية الأبحاث العلمية عملاً وطنياً يحتفي به ويكرم القائمون عليه. ومع مقدم ثورة 23 يوليو 1952، ازداد الاهتمام بالبحث العلمي مع بدء عملية التصنيع وإنشاء مجلس الإنتاج، كما لعب البحث العلمي دوراً هاماً في الميدان العسكري فقد كان لمواجهة الخطر الإسرائيلي الاولوية. وفي فترة السبعينيات من القرن العشرين تبنت الدولة سياسة الانفتاح التي أدت إلى فتح الأسواق علي مصراعيها أمام المنتجات الأجنبية،وأهملت مؤسسات القطاع العام، بل جري تدميره من خلال سياسات عشوائية وقيادات فاسدة. وتصادف ذلك مع انتعاش الأوضاع الاقتصادية في بلاد النفط التي جذبت العديد من الكوادر العلمية من الجامعات ومراكز البحث، وتقلص دور مؤسسة الطاقة الذرية والمصانع الحربية في ضوء القيود التي وضعتها معاهدة كامب ديفيد ...ألخ

    ويعاني البحث العلمي حالياً محنة خطيرة تظهر بوضوح في عدد المقالات المنشورة سنوياً لباحثين مصريين في المجالات العالمية المعترف بها في مجالات التخصص، كما تظهر في سطحية الأبحاث ونمطيتها وتوقف الباحثين عن الإنتاج العلمي بعد الوصول إلى درجة الأستاذية . ولا يعني ذلك التقليل من شأن القلة القليلة من الأساتذة النابغين الذين دأبوا علي نشر أبحاثهم في أمهات المجلات العلمية وعلي استمرار عطائهم البحث ويمكن إجمال الأسباب المباشرة لتدهور البحث العلمي فيما يلي:

    (1)عدم الاستقرار في أوضاع مؤسسات البحث العلمي، ويظهر ذلك في تبعيتها أحيانا لوزارة التعليم العالي أو إقرار وزارة خاصة لها ( وزارة البحث العلمي) أو في استقلال مؤسساتها وتبعيتها لرئاسة الجمهورية أحياناً أخري ( أكاديمية البحث العلمي ). وهذا الاضطراب في أوضاع مؤسسات البحث العلمي، إنما يعبر عن تشوش أفكار الطبقة الحاكمة عن وظيفة البحث العلمي ودوره في تنمية المجتمع. ونتيجة لإحساس الباحثين العلميين بتلك النظرة المتدنية لمؤسسات البحث العلمي، وضمانا لاستقرارهم الوظيفي، فقد لجأ الكثيرون منهم إلى هجرة مؤسساتهم الأصلية والالتحاق بالجامعات سيما الإقليمية منها والمنشأة حديثاً.

    (2)تدني الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، سيما في الآونة الأخيرة حيث ارتفعت تكلفة الأجهزة والمراجع وحضور المؤتمرات. ويكفي أن نشير هنا إلى ( هيكل الإنفاق الحكومي علي البحث العلمي خلال الفترة من 1993/1994 حتى 1999/2000) .

    نسبة الإنفاق علي البحث والتطوير إلى الناتج الإجمالي
    والعاملون بالبحث والتطوير لكل 1000 نسمة .

    البلد نسبة الإنفاق % العاملون
    تنمية بشرية مرتفعة : &nbsp;&nbsp;
    كوريا الجنوبية2.822
    الولايات المتحدة الأمريكية2.6؟
    إسرائيل 2.4؟
    فرنسا2.326
    كندا 1.727
    تنمية بشرية متوسطة :&nbsp;؟
    سوريا 0.93.3
    الصين0.74.5
    مصر0.24.6


    وحتى لا تضللنا الإحصاءات فينبغي ملاحظة انه بجانب ضعف نسبة الإنفاق في مصر، فان الناتج الإجمالي ضعيف أيضاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فإن عدد العاملين في البحث العلمي وإن كان مقارنا لنظيره في الصين مثلاً، إلا أن إنتاجيتهم ضعيفة بالنسبة لنظرائهم. وهاهي إحصائية أخرى عما يخص الباحث من الإنفاق علي البحث العلمي بالألف دولار عام 1998 في السنة.


    معدل ما يخص الباحث من الإنفاق علي البحث العلمي
    بالألف دولار عام 1998 في السنة

    سنغافورة
    602
    الولايات المتحدة
    425
    إسرائيل302
    كندا218
    ماليزيا215
    الصين143
    الهند121
    كوريا الجنوبية72
    مصر6


    ومرة أخري نشير هنا إلى أن معظم ما ينفق علي البحث العلمي في مصر يأتي في صورة مرتبات، والنزر اليسير يتبقى للبحث العلمي....


    (3)الإحباط الشديد الذي يشعر به العاملون في ميدان البحث العلمي من جراء التهميش الذي حدث لدورهم من جراء تغيير أولويات النظام السياسي المحلي، وتراجع فيه دور الدولة بينما تعاظم دور القطاع الخاص حيث أصبح استيراد المعدات ونتائج البحث العلمي اسهل بكثير وأقل تكلفة من بنائها محليا علي المدى الزمني القصير. هذا بالإضافة إلى أن العديد من الصناعات إنما هي أفرع لشركات واحتكارات عالمية من الأفضل لها نقل نتائج الأبحاث من المركز إلى دول الهامش.


    (4)لعل أهم الأسباب لتدهور البحث العلمي هو عدم وجود أولويات للبحث العلمي أو بوصلة تحدد اتجاهاته. وهذا أمر طبيعي في بلد لا يوجد لديه مشروع قومي للنهضة ينتظم داخله أفراد الوطن ومؤسساته كل حسب موقعه وتخصصه ومسئولياته. في ظل هذا الوضع يعمل كل إنسان بمفرده ولا تزيد الأبحاث عن اهتمامات شخصية ومزاج ذاتي، بما لا يفيد منه الوطن كثيراً.

    في ظل هذا المناخ المحبط ظهر موضوع ( البحوث المشتركة) والتي يمكن تلخيصها في مشروعات بحثية تمولها بالأساس جهات أجنبية، ويعمل بها باحثون مصريون. وخطورة الاشتراك في مثل هذه الأبحاث لا تكمن فقط في التخوف من استثمار المعلومات الناتجة في تقرير مصير أوطاننا، وإنما تتمثل أيضاً في ربط علمائنا بعجلة التبعية للأسس المنهجية والعلمية السائدة في الدول الرأسمالية المتقدمة أي في التبعية العلمية سيما في ميدان العلوم الاجتماعية. أما في ميدان العلوم التطبيقية فتمكن الخطورة في انشغال صفوة العلماء بقضايا لا يفيدون من دراستها في حل مشاكل أوطانهم. فكأنهم نوع من العمالة الرخيصة، يوظفون عملهم وخبرتهم وجهدهم في حل مشاكل الدول الأخرى بثمن بخس، بالإضافة ألي ما تثيره هذه البحوث المشتركة من حزازات وضغائن وأحقاد بين العاملين، كما تؤدي &ndash; في ضوء ضعف مرتباتهم &ndash; إلى عدم الاهتمام بأداء دورهم الأساسي في التدريس للطلبة. وكثيراً ما تستخدم البحوث المشتركة كواجهة لإجراء تجارب تخالف القواعد العلمية الأخلاقية للبحث، مثل تأثير بعض الأدوية علي المرضي...الخ، أما ما يحدث في البحوث المشتركة في مجال العلوم الإنسانية، فهو قيام العالم الأجنبي بجمع البيانات والمعلومات بمساعدة فريق من الباحثين الوطنيين، ثم يحمل هذه المعلومات إلى مراكزه البحثية المتقدمة، فيتم تنظيمها وتحليلها وتقديم النموذج التفسيري لها (أي صياغة النظرية بما تحمله من تحيزات). ويكتب التقرير النهائي للمشروع من نسختين : الأولى لجهة التمويل الأجنبي (وربما تكون جزءا من الإدارة السياسية للدولة الأجنبية)، أما الثانية فلاطلاع مواطني وعلماء مصر. وهكذا تظل مراكز الأبحاث في مصر في حالة تبعية فكرية للغرب سواء في آلياته أو أجهزته أو تفسيراته وتطبيقاته، وفي حالة عجز عن القيام بأبحاث مستقلة تستلهم مشاكل المجتمع المصري وظروفه.


    أعضاء هيئة التدريس

    الجامعة أستاذ وطالب، العلاقة بينهما جدلية، فمشاكل الأستاذ تنعكس على الطالب والعكس صحيح. وهكذا فإن طريقة التلقين والتسطيح التي تشبع بهما الطالب طوال فترة الدراسة قبل الجامعة، تمثل تحديا لأستاذ الجامعة وعائقا يحد من عطائه لطلبة الجامعة. وسنسرد في عجالة رحلة عضو هيئة التدريس منذ تخرجه وتعيينه معيدا. عادة ما يلحق المعيد بالدراسات العليا للتحضير لدرجة الماجستير تحت إشراف أحد الأساتذة. وفي الغالب فالأستاذ ليس لديه الوقت الكافي للإشراف على الرسالة، وكذلك الحال بالنسبة للمعيد المثقل بالمساعدة في التدريس، هذا إذا لم يكن منخرطا في إعطاء الدروس الخاصة لتعويض تدني مرتبة. لذلك فإن الطرفين يتعجلا الانتهاء من البحث قبل نضوجه، وتأتي معظم الرسائل بلا جديد حقا وذات مستوى ضعيف بالمقارنة بنظيراتها في الجامعات الأجنبية. هذا بالإضافة إلى ضعف المكتبات الجامعية وانقطاعها عن الاشتراك في الدوريات العالمية أو شراء الكتب الجديدة، وتدهور حالة المعامل وتوقف الكثير من أجهزتها بسبب قطع الغيار غير المتوافرة أو الميزانيات الهزيلة أو لأسباب بيروقراطية سخيفة ... لكن الأهم من كل ذلك هو جمود التخصصات على ما كانت عليه منذ عشرات السنين، بينما توجد الآن تخصصات تجمع بين فروع العلم ولم تسمع بها جامعاتنا، حيث أن احتكاكنا بالجامعات المتقدمة ضعيف. وكان يمكن أن نحل هذه المشكلة جزئيا من خلال ابتعاث أعضاء هيئة التدريس في مهام علمية حيث يقضي العضو بضع سنوات في هذه الجامعات المتقدمة لإجراء البحوث والاحتكاك بمراكز العلم، إلا أن عائد هذه المهام العلمية &ndash; من الناحية المالية &ndash; ضعيف بل مكلف أحيانا، ومن ثم لا يقبل عليها أعضاء هيئات التدريس الذين يفضلون الإعارات إلى الدول العربية سيما دول النفط لتحسين أوضاعهم المعيشية والتي تنحدر باستمرار في ظل كادر لا يتأثر بمعدلات التضخم وزيادة أسعار السلع والخدمات. وتتيح اللوائح وقانون تنظيم الجامعات إعارة عضو هيئة التدريس لمدة عشر سنوات وقد يتجاوزها في بعض الحالات. ووصلت نسبة المعارين إلى إجمالي أعضاء هيئة التدريس حوالي 25% وقد تزيد أحيانا في بعض التخصصات إلى 40%. ولاشك أن سياسة الباب المفتوح لهجرة الكفاءات العلمية الجامعية ليس لها مثيل معروف في جامعات العالم الأخرى. وإذا كانت هذه الإعارات تقدم حلولا فردية لمشاكل أعضاء هيئة التدريس فإن لها آثارا سلبية على كفاءة العملية التعليمية والبحثية في الجامعات، لتسرب عدد كبير من هيئة التدريس (وفي تخصصات معينة أحيانا)، وارتفاع معدل نسبة الطلاب للأساتذة التي تجاوزت المعدلات العالمية وأيضا لاستحالة تكوين مدارس علمية أو الاندماج في مشروعات بحثية طويلة المدى. وتجدر الإشارة إلى أن معدلات نسبة الطلاب للأساتذة عالميا تقدر بـ 1 : 4 (أستاذ / طالب). وقد بلغت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1 : 10، أما في الجامعات المصرية فهي في مجال الدراسات القانونية 1 : 244 ، والتجارية 1 : 240، والآداب 1 : 52، والطب 1 : 6 والهندسة 1 : 13 ... وهكذا.

    نعود الآن إلى رحلة عضو هيئة التدريس، فبعد حصول المعيد على الماجستير، إما أن يسجل للدكتوراة في نفس جامعته وهذا هو الوضع الشائع في مجال الدراسات الإنسانية، فتتفاقم المشكلة ويعاني تكوينه العلمي ضعفا بعد ضعف ويكرر منهج أستاذه وطريقة تفكيره ومجال تخصصه ...الخ. وكما يحدث في زواج الأقارب يعاني النسل من تفاقم العيوب الوراثية وانتشار الأمراض العقلية أو العيوب الخلقية ... هذا بينما يكون النسل في الزيجات الهجين قويا سليما وربما جمع بين محاسن الأبوين. لذلك فإن جامعات أمريكا وكندا لا تشجع طلبتها على الحصول على درجاتهم العلمية الثلاث من نفس الجامعة، حتى يتعرضوا لمناخ علمي جديد فيفيدهم في تكوين بنيتهم العلمية. وقد لوحظ &ndash; نتيجة للأوضاع السابق شرحها &ndash; زيادة كبيرة في هيئة التدريس في تخصص معين على حساب تخصص آخر، وهو ما يؤدي إلى الشللية أو إلى التنافس غير الصحي أو إلى التكوين غير المتوازن في بنية الأقسام العلمية. في بعض الأحيان يكون المعيد محظوظا فيسافر إلى الخارج بعد حصوله على منحة دراسية من جامعات الخارج في غالب الأحيان أو مبتعثا على نفقة وزارة التعليم العالي في أحيان نادرة. وعادة ما يكون ذلك في جامعات متواضعة المستوى إما لقلة مصاريفها أو لسهولة متطلباتها الأكاديمية. وأود الإشارة هنا إلى أنه يوجد تفاوت كبير في المستوى العلمي للجامعات الأجنبية سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، فالبعض منها ذو مستوى متواضع أو ضعيف. الأهم من ذلك كله أن الطالب الحاصل على منحة من الخارج أو مبتعث من الحكومة المصرية لا يتخصص طبقا لخطة معينة وضعها القسم بناء على دراسة جادة واستشراف مستقبلي، وإنما هو يتخصص طبقا لما هو متاح مما ينتج عنه تشوه في هيكل التخصصات الدقيقة بالقسم العلمي، فتعاني بعض التخصصات زيادة غير مطلوبة، بينما البعض الآخر يعاني من نقص شديد وربما يندثر بالكلية.

    فإذا انتقلنا إلى المدرس الجامعي بعد حصوله على الدكتوراه لنتابع صعوده في السلم الجامعي إلى الأستاذية، لوجدنا أن لجان المجلس الأعلى للجامعات والمسئولة عن الترقيات قد تحولت إلى لجان شكلية، وكثيرا ما يكون التساهل في إجازة الترقيات هو الأمر الساري، ويبررون ذلك بعدم مواتاة الظروف، وإن أخذ الأمور بالجدية الواجبة سيؤدي إلى وقف الترقيات كلية.


    النشاط غير الأكاديمي في الجامعة

    للجامعة وظيفة ورسالة. والوظيفة تتحدد &ndash; كما ذكرنا من قبل - في نقاط ثلاث هي : التعليم وإعداد الكوادر المدربة في شتى المعارف &ndash; البحث العلمي &ndash; تقديم المشورة لتنمية وتحديث المجتمع. أما رسالة الجامعة فأوسع من ذلك بكثير فمنها : ترسيخ قيم العلم والتفكير العلمي والعقلانية &ndash; إعداد الإنسان المزود بأصول المعرفة والقيم الرفيعة ليساهم في بناء وطنه &ndash; بعث الحضارة العربية والتراث التاريخي للشعب المصري (كما جاء في قانون تنظيم الجامعات) &ndash; تنمية القيم الإنسانية ...الخ. ولكي يتكون الطالب الجامعي ليحمل هذه الرسالة فإن هناك تعليما موازيا للتعليم الأكاديمي يمارسه الطالب من خلال اتحادات الطلبة التي تتولى النشاط الثقافي والرياضي والفني وإقامة المعارض وتنظيم الرحلات الداخلية والخارجية والمعسكرات الصيفية للإلمام بجغرافية مصر وآثارها التاريخية ... والهدف من كل ذلك هو تكوين الشخصية الإنسانية الإيجابية المبدعة صاحبة الضمير الحي والمنشغلة بقضايا وطنها ...الخ. وقد تعرضت حقوق الطلبة في إنشاء وإدارة اتحاداتهم- وهي المكفولة لهم في المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - للانتهاك المستمر من جانب السلطة. ورغم المكاسب البسيطة التي تضمنتها لائحة اتحاد الطلبة الصادرة في عام 1976، فإنها لم تلبث أن ألغيت &ndash; إبان انتفاضة 1977و إبرام معاهدة كمب ديفيد &ndash; وحل محلها لائحة جديدة في يونيو 1979. وفي ظل هذا القانون أدمجت النصوص الخاصة باتحاد الطلبة ضمن قانون تنظيم الجامعات ففقدت الاتحادات كيانها الحقيقي بوصفها تنظيمات جماهيرية لها استقلالها الخاص. وفي ظل هذا القانون تم إلغاء اتحاد طلبة الجمهورية من أجل القضاء على وحدة الحركة الطلابية المصرية، وبحكم التاريخ النضالي للحركة الطلابية كان الاتحاد يمثل رأيا عاما هاما أمام المسئولين. وغير النظام أهداف الاتحادات الطلابية من أهداف ذات طابع وطني قومي وعربي إلى أهداف مائعة فألغى النصوص التالية من لائحة عام 1976 :

    (1) تدعيم حق الطالب في التعبير عن رأيه وإثبات ذاتيته

    (2) مقاومة مؤامرات الرجعية والاستعمار والصهيونية العالمية الرامية إلى تعطيل مسيرة الشعب

    (3) تدعيم العلاقة مع المنظمات والاتحادات الطلابية في العالم العربي والخارجي

    (4) إبراز رأي عام طلابي تجاه الأحداث القومية والعربية والعالمية

    (5) العمل على رفع مستوى الطلاب رياضيا واجتماعيا وثقافيا

    (6) تزويد الطلاب بما يدعم شخصياتهم في التفكير الحر وتحمل المسئولية نحو مواطنيهم ...الخ.

    وفي ظل القانون الصادر في 1979 تحولت اتحادات الطلبة إلى أجهزة غير طلابية، فطبقا للنصوص يشكل الاتحاد من خمس طلاب بالإضافة إلى 7 من أعضاء هيئة التدريس والإداريين يعينون من قبل إدارة الكلية وبرئاسة العميد وفي هذا ما فيه من سلب لكافة الحقوق الديمقراطية للطلبة في إدارة شئون اتحاداتهم. وتعطى اللائحة إدارة الكلية أو الجامعة سلطة إلغاء أي قرار يصدر عن مجلس الاتحاد أو أحد لجانه. كما تم تصفية العمل السياسي في الجامعات تماما، فتنص المادة (332) على أنه (لا يجوز تنظيم أي نشاط فئوي أو سياسي أو عقائدي). كما تنص أيضا على أنه (يجب الحصول على موافقة عميد الكلية أو نائب رئيس الجامعة &ndash; حسب الأحوال &ndash; على إقامة الندوات أو المحاضرات أو المؤتمرات أو المعارض أو دعوة متحدث من خارج الكلية. وفي هذه الحالة توجه الدعوة إلى المتحدث من عميد الكلية ...). بجانب النصوص المنافية للديمقراطية التي تحتويها لائحة الاتحاد، فهناك الممارسات الواقعية التي تكبل حركة الطلاب وتنتقص من حقوقهم السياسية. فهناك أسلوب إرهاب المرشحين عن طريق مباحث أمن الدولة التي ينتشر أفرادها في الكليات، وشطب المرشحين، وفصلهم من المدن الجامعية، وتحويلهم إلى مجالس التأديب ...الخ. أما عن ممارسات الجماعات الإسلامية داخل الجامعة، فالحديث عنها يطول ويتميز نشاطهم في الدعوة الدينية والتركيز على الشعائر والغيبيات (عذاب القبر والحساب ...الخ)، وتشغل الدعوة إلى الحجاب جزءا هاما من تفكيرهم، وتحتل القضايا الوطنية مرتبة متدنية في أولوياتهم التي تأتي في آخرها القضايا الطلابية المهنية. ومنهجهم لا يعتمد على الحوار والنقاش بل يطالبون جموع الطلبة بقبول ما توصلوا هم إليه دون تعديل. ولا يمثل النشاط الفني أو الترفيهي أو الثقافي أي أهمية لدى الجماعات الإسلامية، فمحور نشاطهم دعوى سياسي، وتضع الجماعة العقبات أمام أي أسر لا توافق هوى الجماعة أو توجهاتها. وفي ظل هذا المناخ اختفى من الجامعة النشاط الفني والثقافي والترفيهي والرحلات ...الخ وخيم على الجامعة جو كئيب من الخوف والقهر، وغابت عنه حرارة الحيوية والتفاعل والنشاط.


    استقلال الجامعة

    المثال المبتغي في الحياة الجامعية السليمة هو البحث عن الحقيقة والكمال، وقوامها هو الإيمان باستقلال العقل والحرية الفكرية. إذا كان الأمر كذلك، وتوفيرا للمناخ الذي يتيح للجامعة القيام بدورها المنشود، وتحقيقا لاستقرار الوسط الجامعي حتى يعمل في اطمئنان وينتج ويبدع دون خوف أو قلق، فقد نشأت ضرورة حماية الجامعة من عواصف السياسة ومن الجمود الفكري اللتين تصيبا الجامعة &ndash; إذا تدخلتا في شئونها &ndash; بصيغة إيديولوجية ضيقة وركود عقلي تدفع ثمنه الأجيال. وكمثال صارخ على ذلك نذكر ما أدى إليه تدخل الدولة السوفياتية في شئون جامعاتها من تخلف الدراسات الإنسانية بها وإلى جمود النظرية الرسمية للدولة وهي النظرية الماركسية مما ساهم في انهيار الدولة ذاتها. بل إن هذا التدخل وصل إلى بعض المجالات العلمية التي تبدو بعيدة عن نظريات السياسة. وكان أشهر هذه المجالات، مجال الوراثة النباتية، الذي سيطر عليه عالم ضيق الأفق يتسم بقدر غير قليل من النفاق هو (ليسنكو) وعلى يد ليسنكو هذا لقى عدد كبير من العلماء مصيرا أليما، وأوقف العمل في أبحاث كثيرة مثمرة، لأن أحكامه كانت تعد القول الفصل في الميدان. وكان الخلط المؤسف بين العقيدة السياسية وبين البحث العلمي سببا في إنكار الاكتشافات الجديدة في علم الوراثة النباتية والتي أكدتها المشاهدات والتجارب، وكل ذلك لصالح الدعاية المبتذلة للنظرية الماركسية. (انظر د. فؤاد زكريا : العلم والحرية الشخصية &ndash; عالم الفكر &ndash; عدد مارس 1971).

    وقد يكون هذا مثلا صارخا، لكنه يمكن أن يتكرر بصورة أو أخرى وبطريقة أشد فداحة كلما تدخلت السلطة السياسية في شئون الجامعة.

    لكل ما سبق فقد استقرت الأمور على حماية الجامعة من مثل هذه التدخلات التي تضر بحركتها وتفسد مناخ العمل، وتكبت الأفكار الجديدة التي لا تجاري التيار العام أو الرأي الشائع أو التقاليد الموروثة أو العقائد الثابتة وذلك من خلال استقلال الجامعة. ويقصد بمفهوم استقلال الجامعة باختصار شديد : انفراد المجتمع الجامعي بشئون الجامعة من ناحية التعليم والإدارة وذلك طبقا للقانون والتقاليد الجامعية. إن استقلال الجامعة مبدأ هام لا قيام لجامعة بدونه، وقد أدت انتهاكات هذا الاستقلال وإهداره من قبل السلطات &ndash; سيما في عالمنا الثالث &ndash; إلى تداعي المهتمين بشئون الجامعات والحريصين على حسن أدائها لمهامها ورسالتها إلى الاجتماع في مدينة ليما عام 1988 (الذكرى الأربعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) حيث أصدروا (إعلان ليما بشأن الحريات الأكاديمية واستقلال الجامعات ومؤسسات التعليم العالي). وروعي أن يكون مكملا لكل المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان والتي لم تتناول مسألة الحرية الأكاديمية على هذا النحو من قبل. وحتى نضبط المصطلحات فإننا نعني باستقلال الجامعة المفاهيم التالية :

    أولا : حماية حرية البحث العلمي ووجود قدر من التسامح يتيح للباحث عرض وأفكاره ومناقشتها دون إرهاب فكري. وتلك قيمة أساسية من قيم الجامعة يستحيل في غيابها ازدهار الفكر. ومن المعروف أن للمجتمع ضوابطه ومرجعياته ومسلماته التي يعد الخروج عليها أمرا منتقدا، وسلوكا معيبا من وجهة نظر المجتمع. غير أنه ينبغي وجود هامش أوسع وقدر أكبر من الحرية الفكرية من الجامعات؛ وبقدر اتساع هذا الهامش بقدر رقي المجتمعات وتقدمها. ومهما يكن من سلبيات هذه الحرية الفكرية، فإيجابياتها أفيد للمجتمع في المدى الطويل، ولا بأس فالنقاش يدور بين الصفوة في هذه الحالة، والحكمة الحقيقية هي ضالتهم في بحثهم، وأما الزيد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وبه تورق الأشجار وتنمو الثمار.

    ثانيا : استقلال المجالس والقيادات الجامعية عن السلطة السياسية إذ أن تلك السلطة سيما في المجتمعات المتخلفة لن ترضى بديلا عن الولاء التام والانصياع لتوجهاتها وتبرير سياستها. لذا فإن استقلال الجامعة يستلزم أن يقوم أساتذة الجامعة باختيار قياداتهم ديمقراطيا حتى يظل الأمر بعيدا عن عواصف السياسة.

    ثالثا : حصانة الأساتذة ضد الفصل أو النقل التعسفي بسبب نشاطهم الجماعي إلا من خلال مجالس يتحقق لها الاستقلال والحياد ويتمتع أعضاؤها بالنزاهة والموضوعية. ولا عجب في أمر هذه الحصانة فهي ليست ميزة شخصية وإنما هي ضرورة لحسن أداء المهنة، شأنها في ذلك شان تلك الحضانة التي يتمتع بها أعضاء الهيئات القضائية والمجالس النيابية والتي تضمن حسن أداء العمل دون رقيب سوى ضمائرهم والضوابط التي تضعها مؤسساتهم. وإذا كان يقال أنه لا قضاء لخائف، بمعنى أن القاضي الخائف لا يستطيع أن يصدر أحكاما يمليها عليه ضميره، مادام خائفا من سلطة أو من أحد الخصوم ... فكذلك أستاذ الجامعة لا يستطيع أن يطلق أفكاره طالما كان سيف النقل أو العزل أو الاضطهاد أو المؤاخذة مسلطا عليه.

    رابعا : الاستقلال المالي والإداري للجامعة في حدود الميزانية المتاحة، والضوابط التي وضعتها الجهات المختصة للصرف، مع مراعاة المرونة الواجبة ضمانا لحسن سير العمل ومتابعة العلم الذي يتقدم بوثبات كبيرة. وفي نهاية الأمر فإن ميزانية الجامعة بكافة تفاصيلها وأدق مصروفاتها يجب أن تكون متاحة للجميع بما فيهم الأجهزة الرقابية ضمانا للشفافية.

    لمفهوم استقلال الجامعة جذور قوية في التربة المصرية، فبرغم تقلب الأحوال السياسية منذ إنشاء الأزهر على يد جوهر الصقلي، والذي كان بمثابة الجامعة الوحيدة في مصر، فقد حافظ الأزهر على استقلاليته عن السلطة الحاكمة سواء ماليا أو إداريا. فقد كانت له أوقافه الخاصة التي تدر عليه ما يكفي لمصاريفه، وكانت لهيئة كبار العلماء فيه استقلالها الذي احترمته السلطات الحاكمة؛ بل كان لرجال الأزهر الكثير من المواقف التاريخية لرفع المظالم عن الشعب أو كبح جماح الحكام. كما تمتعت الجامعة المصرية منذ إنشائها وحتى قيام ثورة يوليو 1952 بقدر معقول من الاستقلال وكان لروادها الأوائل أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين مواقف مشرفة دفاعا عن الاستقلال الجامعي. وإذا عدنا قليلا إلى عام 1908 (تاريخ إنشاء الجامعة الأهلية) لوجدنا أنها كانت تتمتع بالاستقلال التام في إدارتها، حيث كان لأعضاء مجلس الجامعة اتخاذ ما يرونه من إجراءات متعلقة بشئون الجامعة. وقال سعد زغلول قولته الشهيرة في يوم افتتاح الجامعة (إن هذه الجامعة لا دين لها إلا العلم)، بينما قال أحمد لطفي السيد (إن التعليم الجامعي أساسه حرية التفكير والنقد واستقلال الرأي)، وقال طه حسين (إنه لا ينبغي لنا أن ننتظر تعليما صحيحا منتجا من جامعة لا يتمتع رجالها بالاستقلال والحرية). لكن هذا الاستقلال لم يدم سوى ثلاث سنوات، إذ طلبت الجامعة من الحكومة الاعتراف بشهاداتها، فوافقت الحكومة نظير تعيين ممثل لها في لجنة امتحانات الدرجات العلمية. ومنذ ذلك الحين ووزارة المعارف تتدخل بالتدريج في شئون الجامعة حتى تحولت الجامعة إلى جامعة حكومية عام 1925، فبرح الخفاء وزاد التدخل طبقا لأحوال السياسة والمناخ السائد.

    في عام 1932 صدر قرار من حكومة إسماعيل صدقي بنقل طه حسين إلى وزارة المعارف. وقد أثار هذا القرار ثائرة الجامعة فأحجم أساتذتها عن التدريس في الأزهر على أساس أنه كان المحرك الرئيسي لهذه القضية منذ إثارة قضية كتاب (في الشعر الجاهلي) عام 1926، كما أضرب طلاب الجامعة عن الدراسة، وقاموا بالمظاهرات احتجاجا على نقل عميدهم، وقام مدير الجامعة أحمد لطفي السيد بتقديم استقالته في 9 مارس 1932 على أساس (أن هذا النقل يدل على نقص في الرعاية الواجبة للمعلم الجامعي).

    وإذا كان هذا ما فعلته السلطات الحاكمة لانتهاك استقلال الجامعة من خلال نقل أحد أستاذتها، فإن المؤسسة الدينية لم تأل جهدا في العصف باستقلال الجامعة من خلال اعتراضها على بعض موضوعات البحث العلمي. ففي عام 1947 ثارت اعتراضات المؤسسة الدينية على أحد الرسائل التي أشرف عليها الشيخ أمين الخولي، وانحنت إدارة الجامعة للعاصفة &ndash; على عكس ما حدث عام 1932 &ndash; فحرمت على الأستاذ الخولي تدريس علوم القرآن أو الإشراف على الرسائل المتعلقة بهذا التخصص.

    مثلت أزمة مارس 1954 ذروة الصراع بين محمد نجيب أول رئيس للجمهورية ومجلس قيادة الثورة بزعامة جمال عبد الناصر، ودار الصراع حول قضية الديمقراطية وعودة الأحزاب وحسم النزاع بمناورة سياسية تمثلت في قرارات 25 مارس 1954، ثم الرجوع عنه لصالح الاتجاه الشمولي. وفي 30 مارس قرر مجلس قيادة الثورة فصل ثمانية أساتذة ثم تلتها قوائم أخرى اشتملت على د. عبد العظيم أنيس ولويس عوض ومحمود العالم وسعد عصفور ... وطبق قرار الحرمان من الحقوق السياسية على عدد كبير من رجال الجامعات والصحافة والمحاماة وتولى كمال الدين حسين أمر الجامعات، فعين ما شاء وأقال من شاء، وأحكم النظام قبضته على الجامعة وتم حظر النشاط السياسي والتضييق على النشاط الثقافي، وتعلم أعضاء هيئة التدريس الحكمة من رأس الذئب الطائر، فدخلوا مساكنهم لايحطمنهم عبد الناصر وجنوده. وتسللت الشرطة إلى داخل الجماعة فأفسدت السياسة والجامعة على حد سواء. أما إفساد السياسة فلأنها استبعدت السياسيين على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، واختارت من يجيدون الولاء وطاعة الأوامر، وبحكم عدم وضوح الرؤية أو الإمعان في الولاء والنفاق لم يقدموا النصح والمشورة في وقتها فأضيرت &quot;الثورة&quot; ومشروعاتها الإصلاحية؛ أما إفساد الجامعة فلأن السلطة اصطفت بعضا من أساتذة الجامعة دون معايير سوى الثقة وأحيانا الصداقة الشخصية بل وحتى الجوار في المسكن ... فخلقت بذلك تطلعات لدى أساتذة الجامعة؛ إذ أصبح همهم الأساسي البحث عن دور في دهاليز السلطة، ومن هنا تشتت اهتمامهم وزاغت أبصارهم بين العمل الجامعي وما يحتاجه من اعتكاف وزهد وأمانة علمية وبين العمل السياسي وما يحتاجه من علاقات عامة ونفاق وولاء مطلق، وانخراط في دوائر الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب والتنظيم الطليعي.

    أما إذا انتقلنا إلى الواقع الحالي لوجدنا أن الخرق قد اتسع على الراتق، فلم يعد انتهاك استقلال الجامعة يتمثل في حوادث متفرقة تعد استثناء، وإنما أصبحت هي القاعدة. وتتمثل تدخلات السلطات الحكومية في انفراد مباحث أمن الدولة بالقرارات الجوهرية في العمل الجامعي. فابتداء تختار الأقسام العلمية المعيدين بناء على تقديراتهم طوال سنين الدراسة، بينما لا يوافق مجلس الجامعة على تعيينهم إلا بعد موافقة ما يسمى (مكتب مباحث أمن الدولة في وزارة التعليم العالي)، وكم من حالات لم تعين لأن الأمن اعترض على التعيين. وكثيرا ما يرفض الأمن اشتراك بعض المفكرين في الندوات أو المؤتمرات العلمية ومن أشهر الحالات المخجلة : رفض دعوة الأستاذ / حمدي قنديل الاشتراك في ندوة عن (الفضائيات في عصر الإعلام المفتوح) أقيمت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وكذلك رفضت دعوة المفكر اليهودي المعادي للصهيونية فورمان فنكلشتين للحديث عن السياسة الدولية، ورفض الأمن اشتراك الأديب الكبير بهاء طاهر (والحائز على جائزة الدولة التقديرية في الآداب) في ندوة لطلبة الدراسات العليا بكلية الآداب جامعة عين شمس. بجانب ذلك توجد قيود شديدة على البحث العلمي سيما في مجال الإنسانيات خاصة إذا اقتربت تلك البحوث من المحرمات الثلاث : الدين والجنس والسياسة. وحادثة الدكتور نصر أبو زيد (جامعة القاهرة) معروفة إذ رفض أحد المحكمين ترقيته متهما إياه بالكفر وليس لأسباب علمية؛ وما حدث بعد ذلك مؤسف إذ استخدم بعض المتعصبين تلك الواقعة للتفريق بينه وبين زوجته، ومن المؤلم أن محكمة النقض أيدت في النهاية حكم التفريق ... وفي جامعة المنوفية، حصلت إحدى الباحثات على درجة الدكتوراة في التحليل النفسي، لكن الجامعة رفضت تعيينها بحجة أن الرسالة تضمنت في أحد ملاحقها ما اعتبرته مساسا بالمقدسات الدينية ... ويستلزم الأمر &ndash; في الحالات التي تعتمد على استطلاعات رأي وبحوث ميدانية &ndash; الحصول على موافقة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وهو الأمر الذي قد لا يوافق عليه ... بينما تستطيع الجهات الأجنبية بسهولة الالتفاف حول هذه القيود.

    تصدر معظم القرارات الهامة في عمل الجامعة من خارجها ولا تمثل مجالس الكليات أو مجلس الجامعة سوى واجهة للشرعية، ومن أمثلة القرارات التي صدرت رغما عن أنف الجامعيين العمل بنظام الفصلين الدراسيين بدلا من العام الجامعي الكامل وهو ما يناسب أوضاع جامعتنا حتى لا تستغرق الامتحانات جانبا كبيرا من وقت الدراسة، أو إلغاء انتخاب العميد (وكانت تلك أحد المزايا القليلة الموجودة في قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972)، أو إنهاء خدمة الأساتذة بعد سن السبعين بعد أن أفنوا زهرة عمرهم في خدمة الجامعة ... وبعاني أساتذة الجامعة من التدخل المستمر في صميم عملهم الجامعي : فيمتنع عليهم دعوة أساتذة من الخارج للاشتراك في المؤتمرات العلمية، أو الذهاب في مهمات علمية أو مؤتمرات خارجية إلا بعد موافقة الأمن ... وتتم التعيينات في المناصب القيادية الجامعية بموافقة الأمن، بل كثيرا ما يفرض الأمن أو جهات في السلطة مرشحيها في هذا الأماكن دون أن يكون لهم نصيب من الكفاءة العلمية أو الإدارية أو حتى السمعة الحسنة. وتمثل مجالس التأديب سيفا مصلتا على الأساتذة الذين لا ترضى عنهم جهات الإدارة، بينما تتستر إدارة الجامعة على المفسدين الحقيقيين، والذين غالبا ما تكون صلاتهم القوية بإدارة الجامعة أو الأمن هو ما يشجعهم على ارتكاب جرائمهم دون خوف من العقاب. ولولا ضيق المقام لسطرنا صفحات طويلة من صور الفساد الجامعي والذي صدرت بشأنه كتب كاملة مثل كتاب الأستاذ حازم هاشم (صور من الفساد الجامعي &ndash; دار الشروق &ndash; طبعة 1994)، ويكفي أن نشير هنا إلى ما حدث منذ سنوات في جامعة جنوب الوادي التي فصلت أستاذة صاحبة مدرسة علمية في علم النبات بسبب كشفها الفساد والتزوير.

    يقع على الطلبة الجزء الأكبر من القهر والاستفزاز سواء من جانب الحرس الجامعي أو أمن الدولة وبدرجة أقل من جانب بعض الأساتذة مستخدمين في ذلك سلطتهم استخدما سيئا. ينص قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 في مادته رقم 317 على أنه ... (تنشأ في كل جامعة وحدة للأمن الجامعي تتحدد مهامها في حماية منشآت الجامعة وأمنها وتتبع رئيس الجامعة مباشرة وتتلقى منه أو من ينيبه التعليمات اللازمة لأداء مهامها؛ ويكون لأفرادها زي خاص يحمل شعار الجامعة. ويصدر بتنظيم هذه الوحدات وطريقة تشكيلها وبتحديد الاعتمادات المالية التي يطلب إدراجها لها بموازنات الجامعات، قرار من رئيس المجلس الأعلى للجامعات). لكن الجامعة تخرق نصوص القانون، فجانب الحرس الجامعي ينتشر في أرجاء الجامعة المخبرون ومباحث أمن الدولة الذين ينشرون الخوف في نفوس الطلبة من خلال استدعائهم وتهديدهم أو حرمانهم من السكن بالمدن الجامعية. وفي الآونة الأخيرة طورت مباحث أمن الدولة من ممارستها فاستعانت بالبلطجية لافتعال المشاجرات مع الطلبة الذين لا ترضى عن نشاطهم، بالإضافة إلى تمزيق ملصقاتهم وهدم معارضهم. ويصل الأمر أحيانا إلى استخدام الرصاص كما حدث في جامعة الإسكندرية (19 إبريل 2002) حين نشبت بعض المظاهرات اعتراضا على زيارة وزير خارجية أمريكا، وأدى ذلك إلى وفاة أحد الطلبة. وتعتبر نوادي هيئات التدريس بالجامعات المصرية بمثابة نقابات ترعى شئون الأساتذة اجتماعيا وتقوي أواصر الصداقة والتعارف بينهم وتدافع عن مصالحهم المهنية والاجتماعية. ولما كانت هذه النوادي بمثابة منابر حرة لرأي الأساتذة فقد تربصت بها الدولة ولجأت في ذلك إلى عدد من التكتيكات : عدم السماح بإجراء أي انتخابات دورية طالما كان المجلس القائم متعاونا مع الجهات الأمنية ومطيعا لأوامرها وملتزما الصمت تجاه مشاكل وشكايات أعضاء هيئة التدريس وخاضعا لإدارة الجامعة، والتكتيك الثاني : خلق حالة من الاضطراب والتنازع القانوني بين جبهتين أو أكثر بحيث يشل العمل داخل النادي ويتحول إلى جثة هامدة، وأخيرا تلجأ وزارة الشئون الاجتماعية في حالة عدم رضاها عن سير الأمور في النادي إلى حل مجلس الإدارة متذرعة ببعض المخالفات الهينة، والتي تسمح بمئات أضعافها في حالات أخرى إذا ما كان المجلس مطيعا لأوامرها.


    الجامعات الخاصة

    من المعروف أن نظام الجامعات يختلف من دولة لأخرى حسب ظروفها التاريخية وأوضاعها الاقتصادية والسياسية. فمعظم الجامعات الأوربية مملوكة أو مدعومة من الدولة ويتلقى الطلبة تعليمهم حتى مستوى الدكتوراة مجانا في جامعات ألمانيا وفرنسا، بينما هناك مصاريف للدراسة في جامعات بريطانيا. ويختار الأساتذة مجالسهم التي تتولى إدارة الجامعة بطريقة ديمقراطية بعيدة عن التدخلات الحكومية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فمعظم الجامعات خصوصا المرموقة (مثل هارفارد ، معهد ماساشوتس للتكنولوجيا، جامعات كالفورنيا ...الخ) جامعات أهلية، وهذا لا يعني أنها مملوكة لفرد أو عدة أفراد وإنما يعني أنها مؤسسة لا تبغي الربح. وتأتي مصادر التمويل لهذه الجامعات من الجهات الآتية :

    (1)تتلقى هذه الجامعات دعما حكوميا ليس من الحكومة الفيدرالية فقط، وإنما من الولاية والهيئات العامة ذات الاستقلال الإداري. وتنفق الولايات المتحدة حوالي 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي على الجامعات، وتصل النسبة في ألمانيا إلى 1.4% ويعطي هذا الإنفاق للجامعات الحكومية بالإضافة إلى الجامعات الخاصة.

    (2)التبرعات والهبات والوصايا : وهذه تحتل مكانة بارزة في أمريكا، ولعل ذلك يرجع إلى عدم وجود ألقاب أرستقراطية تورث بحيث تصبح هذه الهبات طريقا لتخليد ذكرى الثري، وهي معفاة من الضرائب لتشجيع الأثرياء على التبرع بجزء من تركتهم للجامعات (كمثال : مؤسسة فورد &ndash; فرانكلين &ndash; ...الخ). وهناك مبان أو كراسي أستاذية أقامها أو يصرف عليها أحد الأثرياء وتحمل اسمه.

    (3)تتابع الجامعات خريجيها طوال حياتهم وتطلب من أثريائهم تبرعات، وأحيانا تتبرع دفعة معينة بإنشاء مبنى أو معمل أو ما شابه ذلك. ولا تنقطع صلة الجامعة بخريجيها إما لمساعدة الخريجين الجدد في البحث عن عمل أو في مساعدة الجامعة في توسعاتها ومصروفاتها.

    (4)ما تقدمه الشركات وقطاع الأعمال من تبرعات عن طريق عقود الأبحاث. وهذا أمر شائع إذ أن المنافسة بين الشركات على أشدها بحثا عن منتجات متطورة تستخدم أرقى ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا لتقليل التكلفة وغزو الأسواق المحلية والعالمية.

    (5)المصاريف التي يقوم الطلبة بدفعها والتي تعفي الجامعة الطلبة المتفوقين منها تشجيعا لهم وإعلاء من سمعة الجامعة واجتذابا للطلبة المتميزين. ويوجد أيضا نظام القروض التي يسددها الطالب بعد تخرجه وحصوله على عمل وتكون فائدة القرض أقل من سعر الفائدة السائد. والمهم في كل ذلك أنه لا توجد عوائق اقتصادية تقف حجر عثرة أمام من يريد استكمال دراسته الجامعية. ومن ناحية أخرى تقوم بعض الشركات باجتذاب الطلبة المتفوقين من خلال المنح الدراسية التي تغطي مصاريف دراستهم، وذلك مقابل تعهدهم بالعمل لدى الشركة عند تخرجهم، ولفترة معينة. كما تتيح الجامعات الفرصة لمن يريد الدراسة من خلال المقررات أثناء العطلات الصيفية. وفي المتوسط لا تزيد نسبة مجموع ما يدفعه الطلبة من مصروفات عن 20% من الميزانية الإجمالية للجامعة.

    ويقوم على إدارة الجامعات الأهلية مجلس للأمناء يتكون من أساتذة سابقين مرموقين أو أشخاص ذوي خبرة بشئون التعليم. وهذا النظام اللامركزي والمستقل يعطي للجامعات الحرية الكاملة في إدارة شئونها بعيدا عن التدخلات البيروقراطية. وأقصى ما تستطيعه الحكومة (الفيدرالية أو حكومة الولاية) هو قطع المعونة عن برامج بعض الأبحاث التي تثار حولها الخلافات مثل أبحاث الاستنساج أو الهندسة الوراثية أو ما شابه ذلك. وتمثل الجامعة الأمريكية في القاهرة (أنشأت عام 1920) نموذجا للجامعات الأهلية التي لا تهدف إلى الربح. وبرغم أنها تتلقى دعما من جهات عديدة، لكي تتمكن من أداء دورها السياسي والثقافي والاجتماعي في مصر، إلا أن مصاريف الدراسة فيها عالية، وهو ما يؤكد التكلفة العالية للتعليم العالي، إذا أريد المحافظة على مستواه والتنافس مع الجامعات الأخرى. ومع كل ذلك فهذه الجامعة العريقة تخرج موظفين مناسبين للعمل في السوق المحلي أو العالمي أو الشركات العالمية، ولم تخرج عالما واحدا في مجالات الهندسة أو العلوم، كما أنه لا تمنح درجات الدكتوراه في أي فرع من الفروع؛ إذ أن اهتمامها بالبحث العلمي ضعيف.

    ولنلقي الآن نظرة سريعة على أحوال الجامعات الخاصة التي أنشأت في مصر خلال العقدين الأخيرين (مثل : جامعة 6 أكتوبر &ndash; جماعة مصر للتكنولوجيا &ndash; جامعة المستقبل ...الخ)؛ فأعداد الطلبة الذين استوعبتهم تلك الجامعات لا يزيد عن 3% من مجموع طلاب الجامعات الحكومية والتي يقدر بمليوني طالب وطالبة. فهل قدمت تلك الجامعات الخاصة بأعدادها المتواضعة حلا حقيقيا لتزاحم طلبة الثانوية العامة؟ لا شك أن الواقع يدحض الآمال العريضة حول دور هذه الجامعات. قيل إن الجامعات الخاصة ستفتح أقساما جديدة ليس لها نظير في الجامعات الحكومية، وستواكب آخر المستجدات في ميدان التعليم الجامعي. وقد لوحظ تركيز تلك الجامعات الجديدة على أقسام لا تتطلب تكلفة رأسمالية كبيرة كفروع الهندسة والعلوم، وإنما أنشأت بها أقسام إدارة الأعمال والإعلام وتكنولوجيا المعلومات ... فهي بذلك تكرر ما هو موجود بالجماعات الحكومية. كما قيل أن الجامعات الخاصة سوف تساهم في حل مشكلة البطالة ولا ندري كيف سيتم ذلك، وحتى إن تم ذلك فإن نسبته ضئيلة للغاية. تحقق الجامعات الخاصة أرباحا هائلة،إذ هي معفاة من الضرائب، كما أنها لا تكون أعضاء هيئة التدريس بها، بل تستعيرهم من الجامعات الحكومية نظير مرتبات قليلة، ولكنها بالطبع أكثر من تلك المرتبات الهزيلة التي يتلقونها في الجامعات الحكومية. ولو أن تلك الجامعات كانت جادة، لبدأت في تكوين كوادرها العلمية من خلال ابتعاث بعض الخريجين المتميزين، ولكن ذلك يستلزم مبالغ كبيرة، بينما تريد تلك الجامعات تحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة ممكنة. كما لم نسمع عن نية أي من تلك الجامعات في تشجيع البحث العلمي؛ وإنما همها الأول هو تخريج طلبة يحملون شهادات تسمى جامعية.


    وأخيرا فقد ابتليت الساحة الجامعية بفيض من الجامعات الأجنبية (أو هكذا تزعم) فهناك الجامعة الفرنسية والألمانية والبريطانية والروسية وهلم جرا ... والحقيقة إنه من الخطورة ترك مجال قومي هام كالتعليم الجامعي ساحة مفتوحة للأجانب ليقوموا بتشكيل فكر وعقلية الشباب الذين سيتولون مقاليد الأمور في الوطن طبقا لأجندة خارجية، لا تراعي مشاكل الوطن وخصوصياته، إذ يشكل هؤلاء الخريجون طبقة معزولة عن باقي الشعب لا تعلم عن مشاكله إلا القليل.


    ما الحل؟

    بعد أن استعرضنا بعضا من تاريخ الجامعة وواقعها الحالي، اعتقد أن القارئ يريد أن يعرف الحل المقترح لمشاكل الجامعات التي عالجناها بشيء من التفصيل. يتفق الجميع على مظاهر الأزمة، لكنهم يختلفون حول تشخيصها التشخيص الدقيق؛ يستسهل البعض فيسطح الأمور ويدعو إلى أن المشكلة تمكن أساسا في زيادة عدد الطلبة ويرتب على ذلك الدعوة إلى إلغاء المجانية والعودة إلى نظام المصروفات، وهو بذلك لا يختلف عن البعض الذي يرى في الماضي عهدا ذهبيا، متجاهلا مشاكل الحاضر وتعقيداته، وأن زيادة أعداد الطلبة وإتاحة التعليم الجامعي لهم هو من سنن الحياة ومتطلبات العصر وحق المواطنين. وتتوافق تلك الدعوة مع توجهات الحكومة التي نفضت يدها من كل شئ سوى الجباية والقهر، ومع الضغوط العولمية ممثلة في &quot;روشته&quot; صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي اللذين يروجان لتخفيض الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم ... ويتوافق ذلك أيضا مع طموحات المستثمرين الجدد لإنشاء جامعات خاصة يجنون من ورائها أرباحا ضخمة دون أن تخرج كوادر جيدة تسهم في تنمية الوطن.
    لا يصلح منهج تفكيك المشاكل لمواجهة ما تعانيه مصر : هناك أزمة في التعليم والصحة والثقافة والسكن والزراعة ...الخ. وكلها أعراض لمرض واحد لو تمكن الطبيب الحاذق من علاجه لاختفت كل تلك الأعراض، أما علاج كل عرض &ndash; وحده &ndash; فربما أدى إلى وفاة المريض. في الحقيقة نحن أمام أزمة سياسية وما مشكلة الجامعات أو التعليم سوى جانب منها؛ ومحاولة علاج جانب واحد من جوانب المشكلة محكوم عليه بالفشل طالما لم نتطرق إلى المشكلة الحقيقية ألا وهي أزمة النظام السياسي في مصر. والحقيقة أن التحليل السياسي أو حتى التطرق إلى السياسة كان قد أصبح- ولا يزال- أحد المحرمات في مصر. إن الأصل الإغريقي لكلمة السياسة يعني شئون المدينة أي شئون الحياة. سأنقل لكم بالحرف الواحد الفقرة التالية من كتاب (حكمة الغرب &ndash; تأليف برتراند رسل &ndash; ترجمة د. فؤاد زكريا &ndash; سلسلة علم المعرفة رقم 62 &ndash; صفحة 64) : (... كان الناس ينظرون شزرا إلى الرجل الذي لا يهتم بالسياسة ويصفونه بأنه أبله Idiot وهي في اليونانية تعني : متهالك على مصالحه الخاصة).

    لو دققنا قليلا لوجدنا أن قضية التمويل وضعف الاتفاق الحكومي على التعليم هو أحد الأسباب الأساسية لتدهور أحوال الجامعات. ولكن ذلك يجرنا إلى أولويات الحكومة وكيفية توزيع الميزانية العامة للدولة ... وهنا يثور السؤال لماذا التقتير على الجامعة والإسراف على أجهزة الإعلام والأمن؟ ثم دعنا نتساءل ما هي خطة البحث العلمي وأولوياته بالنسبة للنظام الحاكم في مصر؟ وما هو السبب في غياب تلك الخطة؟ سلسلة طويلة من التساؤلات يتشابك كل منها مع الآخر تؤدي بنا إلى السياسة. في الوقع كل شئ يبدأ بالسياسة وينتهي بالسياسة؛ ولا يمكن تفسير ما يحدث وما حدث وما سيحدث إلا من خلال السياسة. لن ينصلح حال الجامعة إلا إذا انصلح حال النظام السياسي في مصر ليكون معبرا عن آمال الناس وحقهم المشروع في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفي الاستمتاع بخيرات الوطن على قدم المساواة بين الجميع. لكن من الصعب بل لعل من المستحيل حل مشكلة الجامعة بعيدا عن تصويب المسار الذي نسير فيه معتمدين على القوى الخارجية في سياساتنا لتسود قيم التبعية والاستهلاك وذبول الثقافة الوطنية، ففي مثل هذا المناخ تفقد الجامعة مبرر وجودها كحافز على التقدم الفكري والاجتماعي من خلال تنمية الصناعة والزراعة والإبداع في شتى مناحي الحياة.


    ملاحظات


    1-اعتمدنا في التأريخ لنشأة الجامعة المصرية على المرجع التالي :

    د. رءوف عباس حامد : تاريخ جامعة القاهرة &ndash; الهيئة العامة للكتاب &ndash; القاهرة &ndash; 1995.


    2-معظم الإحصاءات الواردة في هذه الكراسة مستقاة من :

    د. لمياء محمد أحمد السيد : العولمة ورسالة الجامعة : رؤية مستقبلية &ndash; الدار المصرية اللبنانية &ndash; 2002 &ndash; القاهرة.
    د. صفا محمود عبد العال : التعليم العلمي والتكنولوجي في إسرائيل &ndash; الدار المصرية اللبنانية &ndash; 2002 &ndash; القاهرة.


    3-من ضمن مغالطات الحكومة ما تردده عن ضخامة ما تنفقه على التعليم الجامعي والذي بلغ في سنــــة 1999 / 2000 مبلغ 4.058.986 ألـف جنيـه، بينما كان في عـام 1975 / 1976 مبلغ 66.042 ألف جنيه ، لكننا لو تمعنا في هذه الأرقام جيدا لوجدنا أن عدد الطلبة عام 1999/ 2000 هو 1.175.155 طالب، بينما عددهم عام 1975/ 1976 كان 376.408. أي أن قيمه ما تنفقه الدولة على الطالب الجامعي (1999م 2000) هو 3703 جنيه، بينما كان 176 جنيه (عام 1975/ 1976) . لكن لا ننسى أن القيمة الشرائية للجنيه المصري قد نقصت عشرين مرة على الأقل أي أن 176 جنيه، يجب مقارنتها بـ 3703/20 = 185 جنيه بأسعار عام 1975/ 1976 أي لا توجد أي زيادة محسوسة فيما ينفق على الطالب الجامعي على مدى خمسة وعشرين عاما، برغم زيادة كلفة الوسائط التعليمية والأجهزة الحديثة ...الخ؛ أي أننا في الحقيقة لا نتقدم بل نتأخر. وهذا مثال آخر للتلاعب بالإحصاءات لنثبت بها ما نريد إثباته، حتى وإن خالف الواقع والحقيقة!..


    الدكتـــور عمر السبــــاخي


    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2008/02/19]

    إجمالي القــراءات: [463] حـتى تــاريخ [2017/12/16]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: محنـــة الجامعـــات المصريــة
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]