دليل المدونين المصريين: المقـــالات - الحب فى الطريق العام - الفصل الثاني
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  
أعياد ميلاد  mohamed saad   noor 7amza 

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     أكتوبر 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: أدب وفن
    الحب فى الطريق العام - الفصل الثاني
    صفوت احمد حسن عوض
      راسل الكاتب

    ذبحوك فى عينى...ذبحونى فى عينيك... ومزقوا ثوبى فى بحثهم عنك.. يا عمرا موؤد الفرحة والبسمات.. اتساقط حرفا حرفا أتخلع كلمات... انزف بالروح الكلمات الحرى - لا أكتب شعرا
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?490
    الحب فى الطريق العام

    رواية مصرية تاليف : صفوت عوض

    الفصل الأول

    الفصل الثانى

    أفتتاحية

    ذبحوك فى عينى...ذبحونى فى عينيك...
    ومزقوا ثوبى فى بحثهم عنك..
    يا عمرا موؤد الفرحة والبسمات..
    اتساقط حرفا حرفا أتخلع كلمات...
    انزف بالروح الكلمات الحرى
    لا أكتب شعرا
    انى اتعرى ...

    ( ص . ع )


    ( 1 )

    فى عينيك وفى انسدال جدائلك شىء اخشاه...
    همست فى تقطيبة محببة زادتها اشراقا :
    ماذا ..؟
    واصل مناجاته مغمضا عينيه وكأنما الحياة توقفت عند اشراقة لحظة حب نشوانة..
    -يكوينى يمتص حياتى يحرقنى
    ينسج من قلبى خيوطا يعتصر بها روحى..
    ينزع من قدرى خطاياه...يغمدها فى جروحى..
    اسدلت جفنيها فى نشوة هامسة :
    احبك...
    واصل فى انتشاء:
    -اهواك يا قدرى
    ولأننى اهواك اهوى ان اعطيك عمرى...
    واغزل من خيوط الشمس اكليلا..واجعل قلبى المفتون فى كفيك منديلا...
    راحت تتخلل شعره الاسود السبط بأناملها الرشيقة وقد تسللت مناجاته الشعرية داخلها وانسابت معتيار الدماء المتدفقة بالنشوة..فانسحب احساسها بالزمان والمكان وتول وجودها كله الى شفتين تهمسان فى عذوبة : احبك...احبك...
    ...انتبه من غيبوبته على حرارة شفتيها فوق جبينه فقال معاتبا :
    فقط..؟
    ألا يكفيك ان احبك..؟
    بل يكفينى ان احبك..
    همست باسمة :
    فلسفة الشرق..
    تساءل فى انكار :
    من الذى قال ان الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيان..؟
    ضحكت فى حبور :
    رجل لم يعرف الحب..
    بل لم يدرك معنى السحر والشوق ...والجنون..!
    تصنعت العبوس قائلة :
    أتسمى ما بنا جنونا..؟
    لامست شفتاه ما بين عينيها مناجيا :
    ان شئت..هو العشق المجنون..
    استسلمت لشفتيه هامسة :
    -منتهى العقل..انى عشقتك بلا عقل...

    ( 2 )

    فض البرقية فى عجالة على حين تساءلت "جانيت"
    من الكويت..
    اجاب باقتضاب:
    .... من العراق..
    قطبت جبينها فى تساؤل بينما راحت عيناه تجريان على سطور البرقية: " هشام..معذرة لن استطيع اللحاق بك فى لندن..لا تتصل بى...وداعا.." عامر .
    همست جانيت فى اشفاق:
    -هشام..أهناك ما يسوء..
    قلب شفتيه فى حيرة وهو يقول:
    لا ادرى..البرقية مقتضبة وغامضة ..
    من هو..؟
    صديق قديم..منذ الطفولة..حتى انهينا دراستنا الجامعية فى القاهرة..ونلتقى دوما فى الكويت وبغداد..
    عادت تسأل: طبيب..؟
    كلا..مهمدس..وقد سبقته على وعد ان يلحق بى فى لندن لاستكمال دراستنا العليا ..ولكن..
    قالت فى محاولة للتخفيف عنه:
    -لعل هناك ما حال بينه وبين القدوم الى لندن..قد يلحق بك فيما بعد..
    - لا اعتقد..
    - اتصل به اذن..لتطمئن..
    اجاب بعد فترة من الضمت:
    من يدرى...سأحاول..

    ( 3 )

    استقبله الرجل بابتسامة ودودة :
    اهلا بطبيبنا الشاعر .. ا اقول شاعرنا الطبيب..؟
    ابتسم هشام لمقولة استاذه مادا يده مصافحا وهو يقول:
    انت تبالغ فى تدليلى يا دكتور واطسون..
    على حين قالت جانيت وهى تقبل وجنة ابيها: انه يا ابى شاعر ضل طريقه الى الطب..!
    قال الدكتور واطسون جادا وهو يتخذ مجلسه خلف مكتبه:
    لا يا ابنتى..اشعر والطب بينهما رباط وثيق من رفاهة الحس ورقة الشعور..
    تناول غليونه والتقم طرفه بين اسنانه ثم قال:
    -انهيتما علكما مبكرا.. قالت جانيت :- رأينا ان نجلس اليك الليلة للتسامر
    قال دكتور واطسون فى خبث:- فقط ..؟
    ضحك الثلاثة معا بينما قال الرجل
    اذن.. لنتناول العشاء اولا ..وبعد ذلك فالليل ممتد امامنا..

    ( 4 )

    مشكلتكم انكم لا تقرأون التاريخ...

    نظر اليه هشام ولم يعقب..على حين استمر دكتور واطسون:
    -التاريخ عندكم ماض ولى بحلوه ومره..تصنعون منه مزارات فى المواسم والاعياد..
    قال هشام متسائلا:
    وعندكم..؟
    اه.. عندنا..وتلك حقيقة ملموسة..التاريخ عندنا لا يموت ابدا..هو المحرك الاساسى لكل انطلاقات اللحظة الحاضرة والمستقبل..
    توقف الرجل هنيهة ريثما تناول فنجان الشاى من ابنته ثم قال:
    -الم تسأل نفسك يوما..لماذا..؟ لقد فعلت انا ذلك..سألت نفسى لماذا..؟ ..لديكم التاريخ والحضارة والتفوق الغير مسبوق فى العلوم والفنون والرياضيات.. ثم الثروة الهائلة التى هبطت عليكم كالاعصار..ومع ذلك تأتون الينا للدراسة والتحصيل..الم يكن من المنطقى ان نذهب نحن اليكم..؟ هكذا يقول العقل والنطق..
    قال هشام:-
    ولكنك يا سيدى لم تسأل نفسك ..ما هو دوركم فى هذا التخلف الحضارى الذى يعيشه عالمنا..
    أتعنى الاستعمار..؟
    الاستعمار العسكرى شىء من كثير..ولا تنسى ان التفوق العسكرى هو الذى اعطاكم هذه الميزة علينا..فبغير تلك القوة ما كان لكم التفوق او حتى القدرة على الاستمرار فى النهب المنظم والاستنزاف الدءوب لكافة الثروات الوطنية..
    توقف هشام فجأة على حين تساءل الرجل:
    اكمل يا دكتور هشام..لماذا توقفت..؟
    قال هشام بنبرة اعتذار وهو ينظر تجاه جانيت:
    يبدو يا سيدى ان حديثنا قد بدأ يثير الملل لدى جانيت..
    قالت فى شىء من الفتور:
    -لقد جئنا لنسمر معا ولا اجد متعة فى هذا الجدل العقيم..
    قال دكتور واطسون مبتسما:
    لا بأس يا ابنتى..كنت اود ان اختبر مدى احساس الدكتور هشام وتفاعله مع العالم الجديد ونظامه الذى بدأ يرسخ.. المهم..ما اخبار صديقك العراقى..؟
    لا اعلم على وجه التحديد..ولكن هذا الانعطاف الحاد فى مسيرته يثير الكثير من التاسؤلات..
    تساءلت جانيت :
    اتعنى التحاقه بالجيش..؟
    كان متحمسا لدرجة الجنون لهندسة الالكترونيات..وكانت لديه مشاريعه الرائعة لاخضاع تلك الثورة التقنية الهائلة لقدرات العقل العربى.. ثم فجأة يترك كل ذلك...و...
    قاطعه الدكتور واطسون:
    لا تنسى ان بلاده تخوض حربا طاحنة منذ سنوات..
    لم اعرف فيه هذا الميل للعسكرية ابدا..
    ابتسم الدكتور واطسون فى خبث وهو يقول:
    لا تغفل تأثير هذا الديكتاتور المحبوب اذى يقدسونه...
    تعنى صدام..؟
    ثم ان العسكرية فى بلادكم هى اسرع طريق للقوة والنفوذ اذا اقترنت بالولاء لديكتاتور من هذا الطراز الفريد مثل صدام ومن قبله ناصر..
    لا يا سيدى.. انت تظلم هذا الرجل ..انه رجل يقاتل منذ سنوات..
    قاطعه الرجل وهو ينظر اليه بعمق وقد ضيق ما بين حاجبيه:
    يقاتل من ..؟ ولم..؟
    لا اعتقد يا دكتور واطسون انك تعنى ما تفكر فيه..
    عاد الرجل يقول فى جدية :
    إما انكم تعلمون وتدعون الغفلة وتلك كارثة أخلاقية كبرى..او انكم فى غفلة حقيقية عن تلك الكارثة الانسانية..وهنا فالمصيبة اعظم..
    نهض هشام من مقعده فى عصبية هاتفا:
    ارجوك يا دكتور واطسون..إن اخلاقياتنا موضوع غير قابل للمناقشة..ناهيك عن التشكيك فيها..
    امسكت جانيت بذراعه هدئة وقالت فى نبرة عتاب:
    هشام من فضلك..
    بينما اسرع دكتور واطسون يقول:
    معذرة يا دكتور هشام..لم أقصد الاهانة..ولكن..
    قاطعه هشام فى تجهم:
    لا داعى للاعتذار يا دكتور واطسون..شكرا لكم على العشاء..عمتم مساء..
    اتجه الى الخارج فى خطوات سريعة تلاحقه جانيت..على حين عاد الدكتور واطسون الى مجلسه وهو يتمتم متفكرا:
    ما الذى اثار حساسيته الى هذه الدرجة المفزعة..؟

    ( 5 )

    محمود عبد الكريم..؟؟!!
    ... تلفت منزعجا لمصدر الصوت..استقرت عيناه على ذلك الوجه الباسم الذى يحدق فيه بغرابة..وراح يستدعى هذه الملامح من اعماق ذاكرته المشوشة.. ولم يلبث ان صاح فى جزل:
    من ؟؟ هشام الراشد..؟
    تعانقا فى شوق..وقال هشام ونبرات صوته تجيش انفعالا :
    معقول..؟ محمود عبد الكريم.. هنا فى لندن..؟
    ضحك محمود فى سعادة وهو يهتف:
    يا اخى افزعتنى .. حسبتك من الانتربول..!
    اغرق هشام فى الضحك قائلا:
    - ما زلت كما انت .. لم تتغير ..
    ثم وهو يشمله بنظرة عامة : وإن كنت قد نحفت عن ذى قبل..
    قال محمود باسما :
    الجوع يفعل الاعاجيب..
    يا اخى لا تبالغ..
    تنبه الن وقفتهما لفتت اتنباه المارة فتأبط ذراعه وسار به قائلا:
    قل يا اخى .. ما الذى اتى بك الى لندن..
    اااصابنى الملل من شواطىء مصر وفنادقها فرأيت ان اتى الى بلاد الفرنجة.. تغيير جو
    الم اقل لك انك لم تتغير..مازلت تخر من كل شىء..
    قال محمود فى نبرة جادة:
    لو لم أسخر ..لمت..
    تنهد هشام وهو يقول:
    لن تدرك مدى سعادتى لقد كدت اجن شوقا للتحدث بالعربية..
    وانا اكاد اموت حنينا لمن يفهمنى بالانجليزية..
    ابتسم هشام قائلا:
    وكيف حال الاخوة فى مصر ..؟
    الحمد لله ...مازالوا احياء..
    ضحك هشام وهو يقول:
    ما رأيك فى فنجان شاى انجليزى ؟
    رمقه بطرف عينه باسما وهو يقول :
    يا اخى .. لم هذا الأسراف..يكفى الغداء فقط..
    ضحك هشام من اعماقه حتى دمعت عيناه ثم قال:
    هو ذاك.. والعشاء ايضا..
    صفق محمود عبد الكريم بجزل وهو يصيح والمارة يرمقونه فى دهشة:
    هكذا يكون تصرف الجنتلمان النفطى...

    ( 6 )

    تراجع بظهره فى استرخاء وربت على بطنه فى قناعة..ثم اخرج علبة سجائره واشعل واحدة وراح يتابع حلقات الدخان المتصاعدة فى بطء وقال:
    الطعام فاخر حقا .. وان اكان تعوزه النكهة المصرية..
    قال هشام وهو يمسح فيه بالفوطة البيضاء:
    -يا اخى..حتى التعصب فى الطعام..؟
    - لم تسميه تعصبا ..؟ سمه حبا ..انتماء مثلا .. ثم لا تنسى انى مصرى عربى حتى النخاع..
    ابتسم هشام فى وداعة وهو يقول:
    اعؤف والله يا محمود.. ثم ان تطرفك فى عشقك لبلدك ودينك وعروبتك هو ما حببنى فيك..
    -سرح محمود ببصره وبدا ساهما وهو يتمتم فى صوت لا يكاد يسمع :
    عروبتى؟.. اجل يا صديقى ..اجل..
    لاحظ هشام التغير الطفيف الذى طرأ على صاحبه فتساءل:
    محمود... ما بك..؟
    لا شىء ذى بال..
    ساد الصمت لحظات حتى قال محمود :
    أليس من المفارقات العجيبة ان تبقى سفارتنا مغلقة واعلامنا منكسة فى بغداد برغم كل ما قدمناه لهم منذ بداية حربه المجنونة مع ايران..؟
    لم يعقب هشام على حين استمر محمود وقد بدت المرارة واضحة فى نبراته :
    أليس من غرائب العقل العربى ان المصرى هو الخائن الاول والاوحد للقضية العربية..؟ وبالرغم من كل ذلك .. نزداد فى مصر تطرفا فى عشقنا لبلدنا وديننا ...وعروبتنا..
    قال هشام ساهما :
    حديثك يذكرنى بالدكتور واطسون..
    ومن يكون هذا الواطسون..؟
    الاستاذ الذى يشرف على رسالة الدكتوراه.. يجب ان تلقاه..بالرغم من انه جراح بارع الا انه رجل سياسة وفنون من الطراز الاول...أما ابنته..
    قاطعه محمود :
    اه .. اله ابنة..؟
    اجل يا صديقى.. جانيت ..تنساب رقة وبهاء.. وهى ايضا طبيبة تعمل مع ابيها..
    قال محمود وهو يرمقه بنظرة ذات معنى :
    -رق صوتك ولانت نبراته عندما جاء ذكرها..يبدو انك...
    قاطعه سريعا قبل ان يسترسل:
    هو ذاك...ما بيننا ليس مجرد حب..او نزوة عابرة..على اية حال سوف تلتقى بها...

    *************************

    قال محمود :
    لنتريض قليلا.. اشعر ان الخدر بدأ يسرى فى جسدى..
    خرجا الى الطريق وقد بدأ الضباب يلف المدينة بغلالة رمادية..وأضواء المصابيح الكابية تجاهد لتشق لها طريقا وسط هذا الظلام المبكر..ومع الرعشة التى اجتاحت جسده زاد احساسه بالغربة.. وطغى عليه شعور بالكابة ورغبة ملحة فى البكاء.. قال بعد فترة من السير :
    لا اعتقد انى سأستمر هنا طويلا..
    قال هشام :
    لم تخبرنى عن سبب مجيئك..
    -قال فى اقتضاب :
    العمل..
    تساءل هشام فى دهشة :
    العمل.. والجريدة..؟
    تركتها..
    انت انسان غير مفهوم حقا.. تترك العمل فى صجيفة محترمة وجمهور يقبل على كتاباتك..وفى بلدك وتأتى هنا لتعمل....
    لم يكمل عبارته على حين قال محمود :
    -لأعمل حامل حقائب فى فندق او غاسل صحون..
    تواصل الصمت بينهما للحظات.. اشعل سيجارة .. نفث الدخان بصوت مسموع ثم قطع حبل الصمت بصوت مهموم:
    الحكاية باختصار انى اعتقلت..و...
    قاطعه هشام فى ذهول:
    ماذا ..؟ اعتقلت ..؟ ولكن ..لماذا..؟
    اجاب محمود فى استسلام غريب:
    هل تصدقنى لو اخبريك..؟
    لم اعهد فيك الكذب..
    لا أعرف...!
    لا تعرف ماذا ..؟
    سبب اعتقالى..
    لا يا رجل قل كلاما غير هذا..
    هذه هى الحقيقة..تم القبض على ..ثم اخلوا سبيلى ..بدون ابداء الاسباب..
    وبعد..؟
    لا شىء..عدت الى الجورنال لأكتشف انى المجرم الوحيد وسط غابة من الشرفاء..لم استطع الصمود...استقلت..وها انا هنا ابحث عن عمل..!
    تساءل هشام ولم تفارقه الدهشة :
    وكيف خرجت من البلد..؟
    عاودته روح السخرية وهو يقول :
    نحن يا صديقى نعيش أزهى عصور الحرية والديموقراطية.. اسرق.. اقتل .. انهب اموال الناس تحت اى مسمى..توظيف اموال..استثمارات طبقا للشريعة .. اى شىء ثم احمل هذه الاموال واتجه بها الى اقرب ميناء تجد المئات الذين يسارعون لحمل حقائبك حتى سلم الطائرة..ثم لا تنسى ان الدستور يكفل حرية السفر والتنقل لكل مواطن..
    انت تهزل..
    هو ذاك ..انا اهزل..!
    قال هشام بعد فترة من الصمت المشحون بالتوتر:
    اسمع.. لم لا تذهب الى الكويت او السعودية مثلا..
    وقبل ان يجيب قاطعه هشام باشارة من يده:
    لا تقل شيئا..انا اعرف رأيك جيدا.. ولكن الموقف لا يحنمل الجدل..
    ليس جدلا ..وانما هو مبدأ..
    هو ذاك..ولكن عليك تقدي بعض التنازلات..ثم يا اخى..إن الأمر ليس بهذا السوء..ولن تشعر بالغربة بين اخوة لك...
    قاطعه محمود ساخرا :
    نعم .. اخوة فلى اللغة والدين والتاريخ..اليس كذلك..؟
    - لم ينبس هشام بينما واصل محمود :
    ألم تدرك بعد اننا اضحوكة العالم..؟ مأساتنا اننا أمة عربية واحدة..بألف لغة ..والف دين ..والف تاريخ زيف بأتقان ...
    انت تتحدث بمرارة شديدة يا صديقى..
    كلنا تملأنا المرارة والقهر...فى يونيو رقص العرب لهزيمة مصر.. وفى سبتمبر 70 اريقت الالاف من زجاجات الشراب لموت عبد الناصر...وفى اكتوبر 73 كانت الصدمة لانتصار الجيش المصرى
    الذى حولته ابواق الرفض الى هزيمة نكراء...
    هتف هشام فى حدة :
    كفى ..ارجوك يا محمود...
    أليست هذه هى الحقيقة يا صديقى..اليست هذه حقيقة الامة العربيةذات التاريخ الواحد واللسان الواحد والدين الواحد...؟!!!
    هز رأسه فى اسى وهو يقول :
    لا..ليس الى هذه الدرجة..
    بل واكثر يا صديقى...ان المصرى ذا التاريخ والحضارة والذى تبوأ الصدارة فى الحروب دفاعا عن مقدرات الامة العربية والاسلامية يقبع الان فى مرتبة تالية للهنود والبنجلاديش فى بلاد العرب..وليس مصرع السادات ببعيد..حين صدرت العديد من الصحف العربية تزف الى العالم نبأ مصرع الخائن...!!
    بدا وجه هشام محتنقا وهو يتشاغل بالنظر الى لا شىء حتى يهرب من مواجهة صديقه ثم قال بعد فترة من السكون :- انت تعلم جيدا مدى تقديرنا فى الكويت لدوركم التاريخى..
    انتم يا صديققى تنشدون السلام والرفاهية ..ولكنكم تغفلون عن هذا المارد القابع على حدودكم يتحين الفرصة المواتية..
    تعنى..صدام..؟
    ناهيك عن فصائل المقاومة التى استمرأت ابتزازكم على مر السنين..
    شخص ببصره وكأنما ذهل عما حوله.." اليس من الجائز حقيقة ان تكون الكويت هى الهدف التالى له..؟.. أيعقل هذا ..؟..ولم لا .. إن من استباح دماء مواطنيه لن يتورع عن اى شىء..ولكن ..هل يقف العرب مكتوفى الايدى فى هذه الحالة..؟هه..وماذا فعل العرب وهو يذبح ابناء العراق ..ماذا فعلنا حقيقة وهو يبيد تلك القرى بأكملها..؟ كم هللنا ورقصنا وهو يذبد الاف المسلمين فى ايران والعراق..ثم نعلنه اميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين..!!..لقد خرج من اخر معاركه بطلا..وماذا لو احيا تلك الدعاوى الباطلة عن حقه التاريخى فى الكويت...؟.."...
    أتحدثنى يا هشام ..؟
    يا أخى لقد ملأنى حديثك كدرا ..
    اولست على حق..؟
    أجاب هشام مهموما :
    لا ادرى والله ..لعلك على حق..
    صمت قليلا ثم قال وكأنما يحادث نفسه :
    لا ادرى.. وان كان حديثك قد دفع بالوساوس الى قلبى..
    ثم وهو يتأبط ذراعه ليعبر الشارع:
    يا ربى ..انه والله شىء مفزع...!

    ***********************

    ( 7 )

    محمود عبد الكريم ..؟
    لم يدرك من اين يجىء الصوت..ولا كيف تسلل صاحبه دون ان يشعر بمقدمه..كان الظلام حالكا عندما تفجر النور المبهر فجأة من كشاف موجه تماما الى وجهه..صرخ من هول المفاجأة والالم..ظل لحظات مخفيا وجهه بين كفيه على حين جاء الصوت ثانيا باردا ..لزجا..
    محمود عبد الكريم..؟
    اجاب فى وهن وقد راح يرفع كفيه عن عينيه تدريجيا:
    نعم.. انا محمود عبد الكريم..
    المهنة..؟
    قال فى ضعف:
    لقد سئلت من قبل...
    اجب مرة اخرى ..وفى حدوح السؤال..
    صحفى فى جريدة ....
    عمرك..؟
    اثنان وثلاثون عاما..
    ماهى صلتك لكل من: ............. و ................ و.................
    لا اعرف ايا منهم ..
    ولكنهم يعرفونك جيدا..
    لا اعرف ايا منهم..!
    تذكر جيدا ..جميع خطواتك ولقاءاتك لدينا..
    هس فى اسى :
    اريد الاتصال بأحد المحامين..
    لم يتنبه الى الشخص الاخر الا حين تقدم من زميله قائلا:
    دعه لى..
    أمرك يا افندم.. أدى التحية ثم اختفى من حيث اتى...
    عاد محمود يقول :
    ارجو الاتصال بأحد المحامين..
    جاءه الصوت هادئا واثقا :
    يا سيد محمود..لك ما شئت..ولكن علينا ان نتحاور معا اولا ..
    فيم نتحاور ..؟ لا شىء مشترك بيننا يدعو الى الحوار ..
    قال الرجل بنفس الصوت الهادىء :
    اذن ليس حوارا ..ليكن استجوابا ..
    ماذا تريدون منى بالضبط..؟
    صيغة الجمع هذه تنبىء انك ادركت اين انت ..
    ليس تماما..ولكنى أدركت من انتم..!
    قال الرجل فى لهجة ودودة :
    اتود ان نتعارف..؟
    فى لهجة ساخرة قال:
    تقصد ان اعرفك..؟
    هو ذاك..ولعلمك .. انا اقدر رجال الفكر والثقافة واكن لهم كل الاحترام..
    أقتنص الفكرة العابرة وقال:
    اذن الا يوجد مكان اخر اكثر احتراما من هذا لنتحاور ..؟
    ضحك الرجل ضحكة مكتومة وهو يقول:
    غلبتنى ..ليكن ما تريد..ما قولك فى مكتبى..؟
    ابتسم للمرة الاولى منذ قدومه وقال فى ود :
    ان كان مكتبك ..فليس هناك مكان اكثر احتراما منه..
    مد الرجل يديه باسا يعاونه على النهوض قائلا:
    تعال معى...

    **********************

    ( 8 )

    راح يحسو قهوته بتركيز شديد والرجل يرقبه خلف مكتبه وقد اعتمد ذقنه براحتيه..تناول سيجارة بأصابع مرتجفةمن العلبة التى وضعها الرجل امامه..وبعد عدة انفاس متتالية همس فى خدر :
    انا لك..
    اعتدل الرجل فى جلسته ثم قال:
    انا دكتور عقيد مراد فهمى..
    همس محمود :
    هذا ما حدسته..
    عليك ان تعى جيدا يا استاذ محمود ان السلوبى فى التحاور معك لن يخل بواجبى كضابط شرطة وطنى..
    - قال محمود فى اقتناع :
    ادرك هذا جيدا يا دكتور..ووجودى معك كمتهم لا يتعارض مع كونى مصرى مخلص وعاشق لمصريته..
    تفرس فى وجهه للحظات قبل ان يقول:
    -يجب ان تعلم جيدا اننا لانهدف الى مجرد الايقاع بك او بغيرك.. وما عاد اسلوبنا هو تلفيق الاتهامات والصاقها بالابرياء..او ان هذا الجهاز هدفه البطش والارهاب..كما يحاول البعض ان يشيع..ولكننا جهاز وطنى فى المقام الاول ..وقد نأتى بك لحمايتك ..وتبصيرك بما يكون قد غاب عنك..
    اعتدل محمود فى جلسته ونظر للرجل بإمعان ثم تساءل:
    لماذا انا هنا..؟
    اجاب الضابط فى جدية:
    انت متهم بالتحريض ضد النظام..
    التحريض ضد النظام..؟ كيف..؟
    اخذ الرجل يقلب بعض الاوراق فى ملف امامه ثم قال :
    هذا ما تقوله مقالاتك المنشورة فى جريدتك وفى بحض المجلات العربية والحزبية...
    انها لا تعدو ان تكون مقالات فى الاقتصاد والفكر السياسى..
    هذا ما تقوله انت ..ولكن الجماعات المناوئة والمتربصة تتلقف هذه المقالات وتتخذ منها مادة دعائية وبصورة تختلف تماما عن الهدف الذى من اجله كتبت هذه المقالات..
    وهل هذا يرقى بى الى الاتهام بالخيانة العظمى..
    انظر مثلا مقالك عن ( حلف الفقر ) وهجومك السافر على دول مجلس التعاون العربى..ثم الدراسة المطولة التى تتهم فيها القيادة السياسية بالانصياع والغفلة ..وهى بعنوان...
    قاطعه محمود قائلا :
    " مجلس التامر.. والطيبة المصرية.." اليس كذلك..؟
    بلى.. ثم المحاضرة التى القيتها بمناسبة الاحتفال بالنصر العراقى متهما فيها القيادة السياسية بالمشاركة فة التصفية الجسدية للشباب المصرى فى العراق..
    اغرق فى الصمت .. على حين قام الضابط من خلف مكتبه متجها اى جواره قائلا :
    ماذا تقول يا استاذ محمود..؟
    رمقه بنظرة فاحصة هازا رأسه وهو يقول:
    ما قولك انت كمصرى وطنى وليس كضابط شرطة..؟
    قال الرجل وقد تجهم وجهه للمرة الاولى..:
    انا اسف يا استاذ محمود..
    عاد الرجل خلف مكتبه ثم ضغط زرا.. دخل احد الحراس مؤديا التحية..فبادره بصوت مختلج وهو يحاول ان يبدو متماسكا:
    خذ المتهم للعرض على النيابة فى الصباح...!

    *******************************

    ( 9 )

    ..اعترض طريقه فى الردهة المكتظة مشيرا الى حارسه اشارة ودية متسئلا :
    الاستاذ محمود عبد الكريم..؟
    أومأ برأسه بالايجاب بينما قال الرجل مادا يده محييا :
    عاطف عوض المحامى..
    لمح فى عينيه تساؤلا فبادره بابتسامة مشجعة:
    اوفدنى الدكتور مراد فهمى..
    تملكه احساس غريب بالراحة وبدا وجه الرجل وكأنما يعرفه منذ امد..ابتسم فى اعياء قائلا:
    سيادة العقيد ؟
    اجل..
    فطن الحارس الى حيثية السجين واهميته فقل فى بشاشة وبلهجة ودودة :
    -سأدعه معك يا استاذ حتى تستدعيه النيابة..
    أومأ له شاكرا انسانيته المباغتة.. اشعل سيجارة ثم قال :
    ما هو تصورك العام لهذه القضية..؟
    اجاب المحامى فى ابتسامة رقيقة :
    اسمع يا استاذ محمود ..انت رجل مثقف..ولا يخفى عليك ان مثل هذه القضايا عادة تكون شائكة..
    هز رأسه مؤمنا على قول الرجل على حين استمر المحامى:
    -كما اود ان اكون صريحا معك وعلينا مواجهة الامر الواقع والا نغرق فى تمنيات لا اساس لها..
    صمت قليلا قبل ان يعاود:
    اولا انا وجودى معك امر شكلى..فلن استطيع انا او غيرى إخلاء سبيلك فى الوقت الراهن..فالنيابة سيدة قرارها..
    داهمه خاطر عابث لمقولة الرجل وكادت ان تفلت منه ضحكة هازئة ولكنه وأدها داخله ثم قال:
    اجل.. النيابة سيدة قرارها..اذن لم انت معى..؟
    اجراءات شكلية لا اكثر..فى العرض الاول على الاقل..
    تتوقع اذن ان يكون قرار النيابة..
    قاطعه المحامى فى لهجة واثقة :
    ليس توقعا..ولكن الامر الاكيد صدور قرار بحبسك خمسة عشر يوما..
    تساءل منزعجا :
    خمسة عشر يوما..اهذا معقول..؟
    اجاب المحامى فى هدوء :
    لا تنسى يا استاذ محمود ..قانون الطوارىء..
    قال فى استسلام :
    اجل ...قانون الطوارىء..
    وقضيتك أمن دولة طوارىء...
    ساد الصمت لحظات وهو يحاول استجماع قوى الذاكرة المشوشة ثم تساءل :
    لن اعود اذن الى...
    قاطعه المحامى قائلا:
    كلا...سيتم ترحيلك الى السجن..حتى يحين موعد العرض القادم..
    همس كمن يحدث نفسه :
    السجن ..؟ ومن يدرى..
    قال المحامى بنبرة مشجعة :
    عليك ان تعى جيدا ما انت فيه..وايا كان المكان الذى ستذهب اليه،،فان الدكتور مراد سيتابعك..
    واحتمالات العرض القادم..؟
    دعنا لا نسبق الاحداث..
    مجرد فضول..
    سعل المحامى بافتعال متفاديا الحرج قم قال:
    للنيابة الحق فى تجديد الحبس الاحتياطى حتى ستين يوما...
    أحس بالدوار يداهمه ثم تساءل فى صوت مبحوح:
    ستون يوما ..؟ وماذا بعد..؟
    غرفة المشورة..
    وما تلك..؟
    هى هيئة محكمة مصغرة تنظر القضية..وهى املنا حيث نتمكن من المرافعة وما شابه..وقرارها اما اخلاء سبيلك او تجديد الحبس خمسة واربعين يوما..
    غامت الدنيا امام عينيه ..وبدا غائبا عن الوعى والحارس يتقدم منه هامسا :
    تفضل يا استاذ...!

    ****************

    ( 10 )

    هبط من سيارة الترحيلات فى حذر وتلقاه الحارس حتى لا يفقد توازنه وانتظر قليلا حتى هبط زميله المقيد معه..وراح السجناء يهبطون واحدا تلو الاخر..واصطفوا جميعا فى صفين امام المدخل العمومى للسجن..ثم ساروا فى انتظام يتقدمهم قائد الحرس..توقف السجناء امام البوابة الضخة بينما دلف قائد الحرس الى الداخل من باب صغير يتوسط البوابة ..غاب للحظات ثم عاد مشيرا لهم بالتقدم والدخول...
    ...تقدم ضابط شاب ممسكا بأوراق التسليم بينما كان رجال مباحث السجن يقومون بالاجراءات الروتينية من تفتيش السجناء واستبعاد الممنوعات واستلام النقود والامتعة الشخصية..وبعد انتاء اجراءات التسجيل اتجه رئيس الحرس الى الضابط الشاب مؤديا التحية:
    تمام يا افندم...
    خذ السجناء الى غرفة الايراد للحلاقة والتصوير..
    وقبل ان يتحرك طابور السجناء نادى الضابط:
    محمود عبد الكريم..
    رفع يده غاصا بالموع.. اشار اليه الضابط ان يتقدم قائلا :
    تعال معى..
    لم يستغرق لقاءه بمأمور السجن سوى دقائق..تلقى خلالها بعض التدنصائح والتعليمات الواجب اتباعها وفى نهاية اللقاء قال المأمور بلهجة ودية مشيرا الى حقيبتين كبيرتين بجوار الباب :
    هذه الاشياء لك..
    ممن ..؟
    ابتسم المأمور ابتسامة موحية قائلا:
    من احد اصدقائك..
    ثم موجها حديثه الى الضابط الشاب:
    - دع احد النوبتجية يحملها الى حجرة 27/ 1 ...
    سار خلف الرجل عابرا فناء السجن الى البوابة الداخلية يتبعه الضابط الشاب الذى قام بتسليم الكارت الخاص به الى حارس العنبر ..
    فور دخوله عنبر السجن تلقفته عشرات الاعين المتربصة فى فضول.. افاق على صوت السجين حامل الحقائب وهو يقول:
    حمدا لله على السلامة...27 /1 يا بك..!!!
    كان للكلمة وقع غريب فى هذا المكان الاكثر غرابة..بدا غير واع لما يدور حوله..داهمه لحساس مفزع بالغربة القاتلة..كابوس رهيب يجثم على صدره ..والدموع تخنقه..تمنى الموت من اعماقه..سحبه احدهم الى ركن الحجرة قائلا فى لهجة ودودة :
    لا اله الا الله ...ابك يا اخى ..ابك ..لتستريح..

    **********************

    تناول منه كوب الشاى البلاستيك فى امتنان على حين قال الرجل وهو يشعل له سيجارة :
    يا اخى ..نحن ادرى بما يعتمل فى نفسك..انت اليوم تائه..ضائع..مررنا جميعا بهذه اللحظات من قبل...
    صمت الرجل قليلا مفسحا له الوقت ليتمالك نفسه ..ثم عاد يقول فى ابتسامة مشجعة :
    الا تود ان تتعرف على اصدقائك الجدد ..؟
    اقبلوا عليه فى ترحاب على حين قال الرجل :
    صدقنى يا اخى ..لن تتوقف الحياة بدخولك السجن..ومن يدرى.. عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم..
    ثم اخذ بيده قائلا :
    على اية حال امامنا الوقت متسع للحديث والمسامرة..الان تعال معى لتأخذ حماما قبل التمام وازدحام الحمامات...

    ********************

    ( 11 )

    تأبط ذراعه وراحا يقطعان الفناء فى فترة الطابور والتى تبدأ فى التاسعة صباحا ولمدة ساعتين..وخلال سيرهما كان مرافقه يبدو معروفا لجميع النزلاء ويحظى بالاحترام والتوقير...
    ...تخير " فهمى عبد النعيم " مكانا هادئا خلف مغسلة السجن..واتخذا مجلسهما على افريز مرتفع عن سطح الارض ويحيط بخلفية المغسلة.. أشعل محمود سيجارة لنفسه والاخر يرقبه بامعان ثم قال :
    ما هى تهمتك يا اخ محمود ..؟
    نفس محمود الدخان فى هدوء ثم اجاب بنبرة لا اثر فيها للتهكم :
    مصرى ..!
    اغرق فهمى عبد النعيم فى الضحك حتى دمعت عيناه..ومحمود ينظر اليه بدهشة :
    لم كل هذا الضحك..؟
    اجاب وهو يجفف عينيه بطرف ثويه الابيض :
    لا شىء يا اخى..
    قال محمود :
    اما انت..فقد حزرت تهمتك..
    قال فهمى وهو يتحسس لحيته الكثيفة التى تصل الى صدره :
    مسلم ...!
    لحظات من الصمت وتساءل فهمى فجأة :
    انت مسنود ام مدسوس ..؟!
    بوغت لوهلة ..ولكنه تماسك سريعا وهو يقول :
    سؤال ساذج من رجل ظننته محنكا ..
    اعرف ..
    ولم اذن ..؟
    ابغى الاجابة منك ..
    تشاغل محمود عن صاحبه بطابور النمل الذى يسير فى انتظام رتيب ..يعلو ويهبط على الاحجار الصغيرة بين قديه.. واتاه خاطر فجائى ..فحرك قدمه فى حركة سريعة مفاجئة..توقف السير الحثيث للحظات ثم ما لبث ان عاود السير فى نشاط...!
    مازلت انتظر اجابتك..
    قال محمود باستهانة :
    ولم لا تسل جاسوسك..
    ابغى سماعك..
    تملكته نزعة عدوانية فراح يهيل التراب بباطن قدمه حتى اختفى طابور النمل تحت الثرى ثم تساءل:
    وإن كذبتك..؟
    قال فهمى فى حرارة :
    أزعم انك رجل صادق..
    تساءل فى تهكم :
    وهل يجتمع الصدق والخسة ..؟!
    بدا فهمى مرتبكا وراح يتخلل لحيته فى عصبية ثم قال فى صوت مختلج :
    صدقنى يا اخ محمود..انا لا اقصد اتهامك او الاساءة اليك..
    ربت على كتفه فى ود قائلا :
    انا لست مسنودا ...كل ما هناك انهم يدركون تماما انى على حق
    ثم وهو ينهض :
    ولكن كما يقولون ...القانون حمار ...!!

    ********************

    ( 12 )

    توطدت بينهما صداقة فريدة وفى وقت قصير ..وصارت علاقتهما حميمة ..يجمعهما فهم عميق وحب متبادل..وكان فهمى عبد النعيم خير عون له فى عالم السجن الملىء بالغرابة والطرافة.. ورغم ما بينهما الا انه لم يفرض عليه الانضمام الى جماعته او مجرد الاشارة الى ذلك..وكان يتركه دائما على سجيته فى علاقاته بالاخرين من النزلاء.. ومحمود من جانبه كان عزوفا عن الجماعة ..مؤثرا الوحدة ومكتفيا بالفرجة او الادعاء بذلك..
    ...وفى صبيحة احد الايام قال فهمى باسما :
    الشيخ مأمون يروم لقاءك ..
    ومن هو الشيخ مأمون ..؟
    ستعرفه عند لقائه ..
    صمت ولم يعقب..على حين قال فهمى :
    سنذهب اليه فى حجرته بعد الزيارة ..
    وعندما لمح طيف العبوس يحوم فوق جبينه قال ضاحكا :
    يا اخى لا تتكدر ..انه رجل مبارك يود التحدث اليك ...

    *******************************

    ( 13 )

    نهض الشيخ من مجلسه لاستقبال الوافد فى ابتسامة عريضة وصوت جهورى :
    أهلا ومرحبا بالاستاذ ..!
    اخذ بكفه عائدا الى مجلسه وافسح له مكانا بجواره ثم قال :
    ما بك يا استاذ ..؟ اتستنكف دعوتى لك بالزيارة ..؟
    تمتم محمود فى حرج معتذرا بينما استمر الشيخ يقول :
    نحن مسلمون يا اخى .. أم لست كذلك..؟
    اجاب فهمى عبد النعيم عن صاحبه قائلا :
    كل ما هنالك يا شيخنا انه يعشق الوحدة ويؤثر السكينة..
    قال الشيخ ضاحكا :
    عهدى بالشيوعيين انهم اصحاب اصوات راعدة ..
    بدت على وجهه علامات الاحتجاج فسارع الشيخ يقول :
    هذه دعابة يا رجل..
    ثم موجها حديثه للجمع المتوط به :
    عجبى والله على حكومتنا السنية ..لا يعجبها العجب ولا الصيام فى رجب .. لا الاسلاميون على هواهم..ولا اليساريون على كيفهم..قولوا لنا بالله عليكم ..ماذا نفعل لنرضيهم..؟
    ان قلنا اسلام..قالوا سلفيين متطرفين..وان قلنا يساريين قالوا خونة ضد النظام..لم يبق الا اليمين..يقولون رأسمالى مستغل حق عليه المصادرة والتشريد..لأن الدستور المحترم اشتراكى ديموقراطى تعاونى سريالى..
    ضج الحضور بالضحك بينما استمر الشيخ قائلا :
    وإن لم نكن من هؤلاء جميعا اتهمونا بالسلبية والجمود وعدم المشاركة ..
    ثم متسئلا فى انكار :
    أى مشاركة تلك ..؟ مشاركة فى فى السلب والنهب وتزييف التاريخ والارادة والدعاء للزعيم الخالد فوق المنابر وعقب كل صلاة ..؟!!
    ثم ملفتا الى محمود متسائلا :
    الست معى يا استاذ ..؟
    اجاب محمود وقد غلبته روح الدعابة :
    بالطبع لا ..
    عاجله الشيخ ضاحكا :
    ولا علينا...!
    ثم بلهجة جادة :
    علينا يا استاذ ان نروح عن انفسنا بالدعابة البريئة.. والسخرية دواء ناجع لأشد الامراض فتكا ..ففى هذا المكان ان تملكتك الكاّبة فهى النهاية والعياذ بالله ..
    ثم مشيرا بيده الى الخارج :
    ولا تخش الحرس..فهم فى النهاية اخوة لنا فى الدين وفى الوطن..

    ***************************

    ( 14 )

    صمت الشيخ مأمون قليلا قبل ان يقول بجدية :
    خسارة الا تكون معنا..
    ابتسم محمود فى وداعة قائلا :
    انا لست ضدكم يا مولانا..!
    عاد الشيخ يقول :
    اتابع ما تكتب .. انت مناضل عنيد من اجل الحرية
    قال محمود :
    الحرية هى ما أنشد..
    لزم الصمت برهة وهو يتفرس فى وجهه ثم قال :
    غاية الحرية ان تكون عبا لله.. ومنتهى العبودية ان تتوهم انك حر فى أوطان جل رعاياها من العبيد..
    شده الحوار فقال :
    الحرية يا مولانا كلمة مطاطة تتسع للكثير من التأويلات التى قد تصل بنا الى الديكتاتورية ..
    قال الشيخ فى اصرار :
    لا نبغى سوى حرية واحدة ..الاختيار ..
    الاختيار ايضا مسألة نسبية ..
    عاد الشيخ يقول :
    لكى لا تسىء الفهم...نحن نبحث عن الصيغة الحقيقية والكاملة لحكم الله ..!
    دولة دينية تعنى ..؟
    دولة دستورها القران..وحاكمها يولى بالشورى..ويحكم بما انزل الله..
    قال محمود باسما :
    عصور الخلافة ولت با مولانا..
    تساءل الشيخ فى حدة :
    ولم لا تعود ..؟
    اجاب على تساؤله بسؤال اخر :
    وكيف تعود الخلافة ونحن نستدين رغيف الخبز ..؟
    تلك شكليات لا تمس الجوهر الحقيقى لهذه الأمة ..انها فى حاجة الى الامام القائد والقادر على اعادة اكتشاف القدرات الكامنة فى اعماق هذه الأمة..
    تريث محمود قليلا قبل ان يقول :
    أتظن نفسك قادرا على حمل هذه الامانة ..؟
    ليس بالضرورة ان اكون انا هذا الرجل..
    عاد محمود يسأل:
    ومن تظن ..؟
    قاطعه الشيخ محتدا :
    الاسماء هنا لاهم ..الرجال كثيرون ولكن المهم هو الاعداد لهذا الحدث العظيم ..
    قال محمود فى هدوء :
    أشك فى قدرتكم على مجابهة الة الحرب الجهنمية.. ولا تنسى شيئا ..وهو انكم لا تواجهون حكومة او نظاما اقليميا فقط..بل تواجهون النظام العالمى الجديد..
    صاح الشيخ مأمون هادرا وهو يشير الى قلبه :
    إن القوة الكامنة هنا كفيلة بمواجهة العالم اجمع.. وانا اعنى ما اقول ,,
    قال محمود فى ثبات :
    وانا اعنى ما اقول... ووجودك هنا...
    أشاح الشيخ بيده مقاطعا :
    هذه مسألة فى صالحنا..ووجودنا هنا يؤكد خوف النظام من مواجهتنا فى ساحة الجهاد ..
    بل يؤكد قدرة النظام على البطش بكل ما يهدد كيان الامة ..
    رمقه الشيخ فى عتاب وقد تكدر وجهه:
    تعنى اننا مصدر تهديد لأمة الاسلام..؟
    بل اقول ان ممارساتكم لا ترقى بكم لأن تكونوا اهلا لهذه الخلافة التى تنادون بها ..
    عاد الشيخ يقول فى صوت متهدج :
    اية ممارسات تقصد ..؟
    انت تعرف ما اعنى ..
    صمت الشيخ وراح يعبث فى لحيته ثم قال وقد استرد جأشه :
    كنت اود ان ادعوك للصلاة معنا ..ولكنك خيبت املى..
    قال محمود فى حرارة وصدق:
    صدقنى يا شيخ مأمون انت رجل جدير بكل احترام..واحترم فكرك وقضيتك المقدسة..وبقدر حبى لوطنى ودينى ... فانا اختلف معكم فى اسلوب طرحكم لهذه القضية...!
    قال الشيخ مأمون وهو ينظر اليه بامعان :
    عليك بالصلاة...وسأدعو لك بالهداية ..

    ...كان ذلك ايذانا بانتهاء اللقاء ..قام الشيخ لوداع ضيفه حتى باب الغرفة ..أمسك محمود بكف الشيخ وقل فى ابتسامة رقيقة :
    لعلك غاضب منى يا مولانا ..؟
    قال الشيخ باسما :
    انا غاضب من اجلك يا استاذ ..
    اذن لن انقطع عن زيارتك..
    مرحبا بك فى اى وقت ..
    اعدك الا اتحدث فيما يثير غضبك ...
    ضحك الشيخ من اعماقه قائلا :
    اعدك الا امل من الحديث فيما يقربك الينا ..!!

    *************************

    ( 15 )

    احتضنه الشيخ مأمون بقوة وقال بصوت يشرق بالدمع:
    لا تقل شيئا..لم اّت لوداعك..سنكون على اتصال دائم ان شاء الله..
    ثم وهو يتصنع المرح :
    طالما افرجوا عنى ..فالاولى ان يطلقوا سراحك.. وثق انك ستلحق بى سريعا...
    لم ينبس محمود عبد الكريم وراح يتطلع الى وجه الشيخ طويلا ثم قال بصوت خفيض :
    ساتى لزيارتك قريبا..
    سأكون فى انتظارك ..وعنوانى لدى فهى عبد النعيم..
    جاء صوت الحارس ملولا :
    هيا يا مولانا... امامنا سفر طويل..
    أمسك بكتفيه قائلا فى قوة :
    لا اله الا الله ...
    محمد رسول الله ..
    راح يقطع الفناء خلف الحارس بسرعة لا تناسب سنه حتى غيبته بوابة العنبر ...!

    *********************

    ( 16 )

    ... مأساتنا انا نخاف...
    نذيب خوفنا فى الخصر فى الصدور .. فى الارداف..
    وندعى الجنون..
    ونعشق البغايا والخمور والافيون ...
    ...مأساتنا يا أصدقاء..
    أنا نناقش القضايا فى مخادع النساء ...!

    راح يرقبها بشغف..تنساب رقة وليونة.. تتسلل الى داخله فى عذوبة ..وقصائد العشق تلوح نهايتها..يخفت التصفيق وتتوقف عبارات الاعجاب..وتنعطف بقوة الى شعر الصدمات.. تتوهج..تغضب..تثور..تتأجج سخطا..ثم تجنح الى السخرية فى مرارة وأسى....!
    ..انفرط الجمع لتناول المشروبات على حين اتجه محمود الى الشرفة ملتمسا بعض الهواء البارد برطب به مشاعره الملتهبة ..وكلماتها تدق وعيه بقوة :
    ...وندعى الجنون...
    ...ونغشق البغايا والخمور والافيون..
    ..أغمض عينيه وهو يردد لنفسه :
    أجل ..هكذا نحن ..ندعى الجنون.. والعته..والبله..كذبة كبرى اطلقناها وكنا اول من صدقها..
    صديقى اللدود فقد عقله..؟!
    التفت الى هشام وعلى شفتيه ابتسامة هازئة :
    ليس بعد يا صديقى..ولكننا فى السبيل اليه..!
    لم تقل لى ..ما رأيك..؟
    شقتك فعلا اكثر من رائعة..ترى كم كلفتك..؟
    هتف هشام فى نبرة يأس :
    يا اخى لا أسألك عن الشقة..ما رأيك فى شاعرتنا ..؟
    سمعتها مرة فى القاهرة ..تلقى شعرا مريضا..اما الليلة فهى جديرة حقا بأن تكون شادية الخليج..
    لم تخبرنى بانك تعرفها..
    قال معترضا باشارة من يده :
    لم اقل اعرفها..قلت سمعتها..
    همس هشام :
    هاهى مقبلة علينا ..
    تقدمت فى تمهل يسبقها عطرها الفواح وهى تقول فى ابتسامة عريضة :
    اين هرب مضيفنا ..؟؟
    اجاب هشام ضاحكا مشيرا الى محمود :
    استمع الى شهادة حق فى شعرك..
    ثم ملتفتا الى محمود :
    الانسة راوية عبد المحسن .... وهذا مفكرنا الكبير الاستذ محمود عبد الكريم..
    تلقى كفها الممدودة فى ترحاب وهو ينظر فى عينيها بعمق بينما قال هشام :
    يقول انه استمع اليك فى القاهرة ..
    همست وهى تتصفح تقاطيع وجهه فى تقطيبة وكأنما تحاول ان تتذكر :
    اه ..تذكرتك..
    انا لم انسك ..
    ابتسمت فى رقة لكلماته الموحية ولكنها تجاوزتها سريعا فى لباقة قائلة :
    اعجبتك لندن..؟
    أجابها فى تساؤل باسم :
    - ما رأيك انت فى ليل القاهرة ..؟
    اجابت فى استسلام وديع :
    - انت محق...نحن ابناء النيل والفرات والبادية مهما بعدت بنا الشقة واخذنا الترحال..وكلما ازددنا بعدا نزداد اقترابا ..
    ...لم ينتبها فى غمار الحديث الى هشام الذى تسلل عائدا الى ضيوفه...ران عليهما صمت مشوب الحرج والتوتر ..وبا ذلك جليا فى حركة اناملها الدقيقة الى راحت تفتل بها اطراف خصلاتها..وقد أشاحت بوجهها مصوبة بصرها الى الاضواء الباهتة الى تتراءى عن بعد..
    - تشاغل باشعال سيجارة ثم قال :
    - لم تتغيرى كثيرا عن ذى قبل..
    التفت اليه وهى ترمقه بعمق:
    - ولكنك تغيرت لعض الشىء..
    - كيف ..؟
    تملته مليا قبل ان تقول :
    - تبدو مهموما..
    - هكذا الشعراء.. يتوهمون ما لا وجود له ..
    قالت باسمة :
    - لا تكابر ..تلك الافواد البيضاء التى جاءت قبل موعدها تنبىء عن الكثير ..
    - : عيرتنى بالمشيب وهو وقار "...
    ضحكت فى سعادة قائلة :
    - لو تعلم كم احب هذه الاغنية.. ولا امل سماعها..ان شئت اهديتك تسجيلا لها
    - لتذكرينى بكهولتى..
    اجابت فى حرارة وقد تورد خداها:
    - لتبقى هذه الامسية فى ذاكرتك ...
    ملأه احساس بالبهجة والفرح وشعور غامر يتسامى به فوق الازمنة والامكنة وهو يقول بتلقائية وعفوية :
    - انت خارج حدود النسيان..
    همست فى خفر:
    - اتحدث عن الامسية...
    - وانا عنى ما اقول..
    شعرت بأنفاسه تلفح وجهها..تراجعت الى الخلف قائلة :
    - معذرة ... لا تسىء الظن بى..
    همس فى حرارة وصدق:
    - انت فوق مستوى الظن..
    رمقته باسمة وهى تقول:
    - مثالية كمال عبد الجواد..؟
    - بل عشق محمود عبد الكريم...!

    *************************

    ( 17 )

    تناول سماعة الهاتف بوعى غائب...جاءه صوتها عبر الاسلاك فدفعه الى قمة الوعى..هتف فى شوق:
    - انت ..؟!
    - أيقظتك..؟
    اجاب منتشيا :
    - بل هو البعث...
    سعدت لمبالغته وبدت الفرحة فى صوتها وهى تقل:
    - سعادتى لا توصف لسماع صوتك.. لم نرك منذ فترة,,اين انت ..
    فطن الى تحفظها فقال :
    - بعض المشاغل الطارئة.. وان "كنتم " معى دائما..
    - شكرا على مجاملتك الرقيقة.. هناك من يروم لقاءك..
    قطب جبينه قائلا :
    - ترى من يكون..
    - أناس لا تعرفهم وان كانوا يعرفونك من كتاباتك.. ما رأيك فى السابعة مساء..؟
    - هذا مناسب تماما.. ولك اين ..؟
    - منزل الدكتور هشام..
    - سأوافيك فى الميعاد...
    - وانا..فى انتظارك...!

    **********************

    ( 18 )

    -
    قالت راوية وهى ترمقه فى تمعن :
    لم تحك لى عن تحربة السجن..
    حتى فى لندن .. لا يسلم المرء من الاقاوبل..
    أهى اشاعة حقا..
    كلا بل حقيقة..
    اذن .. لم لم تخبرنى..
    رنا ببصره عبر الشرفة الواسعة ثم قال :
    ليست من الاشياء التى يطيب التحدث عنها..
    همست معتذرة :
    لم اقصد ايلامك..
    لا عليك..
    عادت تقول فى اسف :
    كان يجب ان ادرك انها تجربة مريرة..
    نفس دخان سيجارته وراح يرقب حلقاته التى تتصاعد فى دوائر حلزونية متشابكة ثم قال :
    برغم مرارتها..الا ان لها جوانبه المضيئة..
    ساد الصمت بينهما..لاحظت عزوفه عن الخوض فى هذا الحديث.. احترمت رغبته..تناول منها فنجان الشاى شاكرا على حين قالت فى لهجة رقيقة :
    اخبرنى هشام انك تزمع الرحيل عن لندن..
    قال فى صرامة :
    لم اجد فيها الا الكابة والضياع...
    لاحظ طيف الكدر الذى عبر عينيها سريعا فقال مستدركا :
    - وبرغم ذلك لى فيها ذكريات عطرة ...
    - انت مجامل..
    - صدقينى يا راوية..ليست مجاملة ولكنها الحقيقة..
    همست فى صوت مختلج :
    ومع ذلك ستغادرنا...وربما بلا رجعة...
    سدد اليها بصره ومال بجزعه الى الامام حتى كاد يلامس وجهها.. ثم قال فجأة :
    راوية ... أتتزوجينى ...؟!
    تراجعت الى الخلف فى دهشة وقد فوجئت بالسؤال المباغت...بدت مرتبكة ..تساءلت :
    ماذا ..؟؟!!
    انطلق لسانه فى بساطة وتلقائية :
    راوية .. انا احبك..واتمنى الزواج منك..ما رأيك..؟؟!
    ابتسمت فى ارتباك وتوتر وهى تقول :
    لا ادرى ماذا اقول ..لك طريقة غريبة فى التعبير عن مشاعرك.. !!
    أمسك بكفيها بقوة قائلا :
    المهم انى عبرت عما بداخلى فعلا ..احبك...واكاد اشعر بحبك لى..و...
    اغرورقت عيناها وهى تهمس مقاطعة :
    كفى ارجوك...لا شيئا ..
    ثم وهى تمسح جفنيها باناملها الرقيقة :
    لو لم تقلها..لقلتها انا ..مع ما فى ذلك من الشطط والخروج على التقاليد...ولكنى ما بى يفوق كل الاعراف ...
    احتواهما سكون محبب حتى قالت هامسة :
    انا ايضا سأعود الى الكويت...هل اتكلم بلا حرج او حساسية..؟
    اجاب وقد حدس ما يدور فى ذهنها :
    نعم..
    سأجد لك عملا فى احدى الصحف.. ما رأيك..؟
    أومأ برأسه موافقا..عادت تقول فى حماسة :
    سنعمل سويا فى الكويت ..ثم..
    ثم ماذا ..؟
    الزواج يأتى بعد ذلك..
    لم ينبس على حين استمرت هى :
    انت تدرك ان تلك المسائل شائكة بعض الشىء..ولكن ثق اننا سوف نتغلب على اية مشاكل قد تصادفنا..ما قولك..؟ أجاب بأسى :
    كما تشائين...يكفينى ان اكون بقربك...وفى اى مكان...
    لامس جبهتها فى حنو ثم قال :
    سأرحل الى القاهرة اولا ثم الحق بك فى الكويت بعد ذلك..
    قالت فى رقة :
    لك هذا ..سأكون فى انتظارك..
    همس فى ود :
    لا تشغلى نفسك بى ..اعرف كيف اتدبر امورى جيدا ..
    وضعت اناملها فوق شفتيه محذرة :
    حياتك منذ الان ليست ملك لك وحدك.. لا تنسى ذلك ..
    تبسم فى وداعة قائلا :
    هو ذاك ...مرى بما تشائين..
    همست فى نشوة .
    احبك...!

    ************************

    ( 19 )

    راح يخترق طرقات البلدة مستعينا بالوصف القابع فى اعماق الذاكرة للوصول الى دار الشيخ مأمون..تنبه الى النظرات الفاحصة المتطلعة والمتوجسة التى ترقبه فى حذر..اثر التريث..مال الى المقهى الريفى المتواضع..تخير مكانا يشرف على الطريق..ثم اشار الى النادل..اشعل سيجارة مداراة للموقف ثم قال للرجل الذى يتطلع اليه فى ارتياب..:
    - قهوة على الريحة لو سمحت.. ثم قبل ان يستدير النادل :
    - اين دار الشيخ مأمون..؟
    جاءه الرجل بالقهوة وقام بصبها فى سكون وهو يتحاشى النظر اليه ..لم يكرر السؤال ..وقبل ان ينتهو النادل من صب القهوة جاءه صوت جهورى :
    ماذا تريد يا افندى..؟
    اجاب فى هدوء وهو يتفحص الرجل الضخم الذى يرمقه فى عداء سافر :
    الشيخ مأمون..
    ومن انت ..؟
    انا..صديقه..
    جاءه الرد كالصاعقة :
    كاذب ..!
    لاحت نذر الشر فى الافق..وقد توطه العشرات من الرجال فى تحفز وعدوانية..حتو انطلقت صيحة من الخلف :
    دعوه...انه صديقنا..!
    اخترق الجع الحاشد بصعوبة حتى وقف قبالته هاتفا :
    الاستاذ محمود عبد الكريم..؟
    نهض يستقبل المنقذ..بدا شابا فى مقتبل العمر..قوى البنيان..تبرق عيناه تحت حاجبيه الكثيفين..راح يستدعى هذا الوجه من اعماق الذاكرة..لم يفلح للوهلة الاولى...
    هتف الشاب :
    الم تعرفنى بعد..؟
    فجرة نبرة الصوت العصبية فى اعماقه اشواق الايام السوداء والليالى الكالحة..صاح فى لوعة :
    فهمى عبد النعيم..؟!!
    اخذ الجمع الحاشد يرقب اللقاء المشبوب بدهشة...وتحول الموقف الى مظاهرة حب شائقة..تقدم الردل الضخم على استحياء وهو يقول:
    سامحنى يا استاذ...كدت اقدم على حماقة لا تغتفر..
    ربت محمود على كتفه فى ود قائلا :
    لا عليك...يبدو ان شكلى مريب بالفعل..
    قال الرجل فى وجوم :
    ليس الامر هكذا ..ولكن سؤالك عن الشيخ ....قاطعه فهمى عبد النعيم وهو يسحب محمود من ذراعه قائلا:
    تعال يا صديقى..لنذهب الى الدار...

    *********************

    هتف محمود فى ذهول :
    ماذا..؟ مات الشيخ مأمون..؟
    قال فهمى عبد النعيم فى وجوم :
    اجل يا استاذ...مات برصاصة طائشة..!
    يا رب السموات ...قتل الشيخ مأمون ..؟؟
    نكس فهمى رأسه وهو يتمتم :
    بلى..
    ولكن ..من الذى يجروء...
    قاطعه فهمى بنظرة موحية ...بدا الموقف فوق الاحتمال والادراك.. قام محمود يدور فى الغرفة على غير هدى غير مصدق..تةقف فجأة وقال :
    لهذا...
    نكس فهمى رأسه فى خجل وكأنه يتوارى من العار الذى لحق به:
    اجل يا صديقى..اللحية لم تجلب لنا سوى المطاردة والسجن والموت..
    لذلك لم اتعرف عليك للوهلة الاولى...
    بعد مقتل الشيخ ّاثرنا السلامة وازلنا اللحى..!!
    راح محمود يهز رأسه يمنة ويسرة غير مصدق لما يحدث..
    انها مأساة...مأساة بكل المقاييس..

    :::::::::::::::::::::::::::::::::::::
     
     
     
     
    عندما غادر البلدة تمنى لو لم يأت...ولم يدرك شيئا.. تمنى لو لم ير هذا الانكسار القاتل فى عينى فهمى عبد النعيم ورفاقه...تمنى...وتمنى....وتمنى...
    ...اغرورقت عيناه بالدموع وصت الشيخ مأمون يهدر فى عقله يلطمه بقوة وحماس:

    ...." منتهى العبودية... ان تتوهم انك حر فو اوطان جل رعاياها من العبيد ..."

    **************************

    ( 20 )

    ... الحارة النائمة فى غبشة الفجر...والهواء البارد يلسع وجهه الطفولى الضاحك...يستشعر ملمس الطين اللزج البارد بأقدامه العارية..يسنشق النسيم العبق برائحة المطر فى لذة وعذوبة.. هبات من الرياح الباردة توقف تقدم الجسد النحيل...يلتصق بجسد شقيقته التى تصطك اسنانها بصوت مرتفع..يتضاحكان فى سعادة وانتشاء...يسرعان الخطى الى الفرن القائم فى نهاية الشارع الكبير الذى ينتهى بالميدان...يشده منظر الميدان فى هذه الساعة المبكرة...يتلقف هذا السكون بفضول طفولى ودهشة بكر..تجذبه رائحة الخبز الافرنجى الساخن..يتبادل وشقيقته حمل الكعكات المضفرة... ويبدّان رحلة العودة الى المنزل الدافىء والاب الذى يتأهب للخروج الى عمله منتظرا افطاره من الكعك المضفر الساخن...

    "... على السادة ركاب الطائرة المتجهة الى الكويت التوجه الى ..."
    ..ينخرط بين المسافرين بلا وعى...

    "...يسعى فى سعادة وشغف ممسكا بكف اخيه..يحثان الخطى ليلحقا بالاب فى عمله قبل المغرب..يحملان اليه عمود الافطار...يعبران مزلقان السكة الحديد...يخترقان الشارع الطويل الذى تقوم على جانبيه محلات الاخشاب وورش النجارة..يحتويهما شعور مفعم بالسعادة الغامرة..تتلقفهما رائحة المازوت التى تبق هواء المنطقة..تلك الرائحة المحببة التى تستدعى على الفور وجه الاب الحبيب بسمرته المشربة بحمرة اللهيب الذى يعمل امامه...نسمات ما قبل الافطار اضفت على شهر رمضان مذاقا اخر..لحظات اخترقت حجب الذاكرة ..ولم تزل.. تملأ القلب حنينا..وسكينة شجية...وشجنا يصل بالفؤاد الى حد البكاء...

    ***************************

    ( 21 )

    جاءه الصوت عبر الهاتف ضاحكا فى سعادة:
    يا هلا بك فى الكويت يا اخى...
    هشام..؟
    مفاجأة..اليس كذلك..
    هى مفاجأة سارة لا شك ..ولكن من اين ...
    قاطعه قائلا :
    الم اقل لك انها مفاجأة..؟ اتعرف ..يفصل بيننا عشر دقائق بالسيارة ..
    صاح محمود فى فرح طفولى :
    انت هنا فى الكويت..؟؟
    اجل يا صديقى..
    لم تخبرنى انك قادم الى الكويت..
    هذه مفاجأة ثانية...ستعرف عندما القاك..
    قال فى حماس:
    انا فى انتظارك..
    ليس الليلة يا صديقى..اتركك الليلة للنوم والراحة والقاك غدا...

    *******************************

    ..رمق محمود جانيت بنظرة باسمة وهو يقول:
    لم اتبينها فى هذا الزى..
    ضحك هشام فى سعادة:
    اليست هكذا اجمل..؟
    كيف تخلت عن شخصيتها هكذا..؟
    اجاب هشام وهو يحتوى جانيت بنظراته :
    احب يا صديقى يفعل الاعاجيب..
    قال محمود مشاكسا:
    لعلها الرغبة فى التغيير..او على سبيل التفكه..
    صاح هشام فى اصرار :
    بل هو الحب..ولم افرض عليها التمثل بنسائنا..
    عاودته روح المشاكسة فقال:
    فى خان الخليلى ترى السائحين بالزى العربى والطربوش من باب التندر..
    فطن الى خبث مرماه فقال هشام:
    على اية حال هى زوجتى ونحن احرار نفعل ما نشاء..
    ضحك من اعماقه قائلا :
    اتمنى لكما السعادة من اعماق قلبى..فأنتما جديران بهذا الحب..
    مرت لحظات صمت فى تناول الحلوى والشاى الى ان قال هشام :
    لا تنسى موعدك غدا فى الجريدة...راوية ستكون فى انتظارك..
    قال محمود فى امتنان :
    ما قدمتموه لى يفوق الوصف يا هشام...واجدنى عاجزا..
    قاطعه هشام فى حسم :
    لا تقل شيئا يا اخى..ارجوك..ثم لا تنسى انك جزء منا..
    قال محمود فى تأثر :
    ادرك هذا والله يا صديقى...
    كان بودى ان يكون عامر معنا حتى تكتمل الصحبة..ولكن...
    قال محمود وقد انثالت عليه ذكريات الشباب والرجولة المبكرة:
    اه..يا لها من صحبة..ونحن نسعى ثلاثتنا بين الازهر والحسين والسيدة زينب وروض الفرج...
    تبسم هشام قائلا :
    أتذكر يا محمود ..؟ لقد اضحت هذه الايام علامات فى تاريخ مسيرتنا...
    ويالها من ايام..
    ثم منتزعا نفسه من خضم الذكريات :
    ولكن اين اختفى هذا الافاق..؟!
    سرح هشام ببصره قليلا ثم قال :
    انقطعت اخباره عنى تماما..ولم احاول الاتصال به كما طلب منى فى اخر برقياته...خاصة انه التحق بخدمة القوات المسلحة..
    اجل ...لعله..
    فطن هشام الى ما يدور بخلد صديقه فقال بأسى :
    لا ..لا اعتقد..فمثل عامر لا يموت ببساطة..فعشقه للحياة لا يوصف..
    - عقب محمود قائلا :
    - كان يعشق الحياة فعلا..كان يكره النوم حتى لا تفوته ساعة من الحياة..
    وبرغم صداقتكما..كنتما على خلاف دوما...
    ضحك محمود قائلا :
    كنا على طرفى نقيض...فى داخله مشروع ديكتاتور شيطانى ..وبالرغم من ذلك كنا متحابان...

    ***********************

    ( 22 )

    لم يدر كم من الوقت مر عليه وهو قابع فى مكمنه..قام يتحسس طريقه فى ظلام الغرفة جاهدا الا يتعثر فى قطع الاثاث ..الصمت يلف الشارع..الموت يجثم على المكان ثقيلا مروعا..كان المشهد فوق الاحتمال..حرارة اغسطس تنهش جسده وتكاد تصيبه بالجنون..اصوات طلقات المدافع تأتيه متباعدة متفرقة ..تنبىء عن النهاية المفزعة والسقوط المريع..
    ..خرج الى الشارع فى حذر..الدمار والفوضى هما سمة المكان..الابنية التى كانت تعج بالحياة منذ ساعت صارت قبورا..حاول قدر استكاعته الا يطأ الجثث المتناثرة فى عرض الطريق وفوق الارصفة..جال ببصره فى واجهة المحلات.. لم يتركوا شيئا..نهبوا كل ما طالته ايديهم..وما لم يتمكنوا من حمله دمروه..
    ... يا الله ..كل هذا الحقد وكل هذه الكراهية..؟.. أشاح بيده وكأنما يطرد هذه الوساوس هامسا لنفسه:
    دعك من هذا الان..فانت فى مصيبة ..محنة لا تعلم مداها..ولا كيف ومتى تنتهى.. عليك اولا ان تعيش وان تبقى على حياتك فى هذه الجبانة ..بلا ماء او طعام..وفى درجة حرارة تشوى الابدان..
    فجأة احاطته البنادق المصوبة الى رأسه..تفرس فى الوجوه المحيطة به..تحدقه عيون متحفزة.. شد انتباهه ملابسهم المدنية..فطن بفراسته الى هويتهم..فقا فى استسلام:
    انا مصرى ..
    تفحصه زعيم المجموعة فى امعان ثم قال متسائلا:
    مصرى..؟ وماذا تفعل هنا..؟
    برغم مأساوية الموقف غلبته روح الدعابة فقال :
    ابحث عن شىء لم يؤخذ اقتات به..
    وكأنما لم يعى الدعابة فعاد يتساءل:
    ماذا تفعل فى الكويت..؟
    انا صحفى..
    ارنا هويتك..
    يا اخى لهجتى تفصح عن هويتى..
    زمجر المقاتل بنفاد صبر :
    اين هويتك..
    قال فى استسلام:
    فى شقتى..ثم مشيرا الى البناية التى يقطنها : هناك..
    اتجه المقاتل حيث اشار امرا رجاله :
    أحضروه..

    :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

    استمر التحقيق معه طوال الليل..لم يكن تحقيقا بالمعنى المعروف ..بل كان استعراضا للقوة الوحشية..وفى خضم هذا السيل من الصفعات والركلات وسباب طال كل ما هو مصرى بدءا من امه وابيه حتى النيل والاهرام..عادت روح السخرية تطل مرة اخرى ووجد نفسه يهمس بصعوبة :
    والله يا اخى ...لو ان الصهاينة نالهم ما نلته من الركلات...ما بقى منهم احد..
    ...ثم وهو يستسلم للغيبوة التى تدهمه:
    مرحى...ايها الحلم العربى...

    ************************

    ( 23 )

    ...سدد بصره الى الوجه المتورم بامعان..اقترب بوجهه هامسا:
    انت..؟ لم اكد اعرفك،،
    اجاب فى هدوء مغالبا الامه:
    لم اعد اعرفك..
    تبسم لقوله مواصلا:
    ما زلت تجيد التلاعب بالالفاظ..
    قال محمود فى اعياء:
    لك ذاكرة قوية,,
    لفهما صمت غير مريح.. حتى قال عامر فى ابتسامة بلا معنى:
    أتذكر عندما كنت تلقبنى بالديكتاتور الشيطانى..؟
    تنهد محمود ولم ينبس..صاح عامر فجأة:
    ما الذى جاء بك الى الكويت..؟
    اجاب محمود هازئابمرارة :
    وما الذى فعلته بالكويت..؟
    هتف فى عصبية..:
    دعك من الفلسفة الفارغة..فلن توصلك لشىء..ولا تنسى ...انت اسيرى..
    تساءل محمود فى استكار :
    اسير ..؟!
    اجاب عامر فى نبرة حادة:
    نعم انت اسير ...ولن تكون لك اى افضلية عن باقى الاسرى...
    الاسرى..؟ الذين عذبوا حتى الموت..؟ ام الذين اطلق جنودك رصاصاتهم عليهم بلا سبب..؟
    قاطعه فى حدة : كفى...ثم فى صوت هامس :
    احرى بك ان تنسى كل ما شاهدت..انا ابغى مساعدتك..والخروج بك من هنا..بالرغم من كل شىء.. انت صديقى...
    همس فى صوت لا يكاد يبين والبكاء يكاد يغلبه :
    صديقك..؟ وهشام الراشد.. الم يكن صديققك ...وزوجته.... والاهل والجيران...والاحبة ...!!
    غلبه البكاء..فراح ينشج بصوت خفيض..على حين قال عامر فى وجوم:
    هشام لم يترك لى الخيار...
    صمت قليلا على حين تمالك محمود نفسه ثم قال :
    اسمع يا محمود..وصدقنى فيما اقول..لن يجديك ادعاء البطولة وانت عاجز عن الحركة..
    صمت قليلا حتى يستوعب محمود ما قاله ثم عاد يهمس:
    لقد قلت ما عندى..ولك الخيار..وانت تدرك جيدا ..انه لن يتعرف عليك احد وسط ميدان حرب تتناثر فيه الاف الجثث...!

    **********************

    ( 24 )

    # طبق الاصل : من دفتر احوال البرنس داوود:
    --------------------------------------------------

    تقدمت تجاه الباب وهى تعيد ربط المنديل فوق رأسها هاتفة :
    ايوه...جاية...يوه..ما تصبر ياللى بتخبط..ملك مسروع كده..!!
    هتفت فى دهشة ممزوجة بفرحة خفية وهى تخبط صدرها الرجراج بكفها البضة :
    بسم الله ..هو انت..؟
    أزاحها من طريقه برفق ميمما شطر الكنبة الاستامبولى القائة وسط الصالة ..ثم همس فى اعياء مسندا ظهره الى الخلف مادا ساقيه الى الامام:
    انا جائع ..وظمان ...وتعس ..!
    تمتمت وهى تجلس بجواره :
    دايما تجينى فى المصايب ..
    تبسم لقولها العفوى ثم تساءل فجأة:
    فاكرة الشيخ ابراهيم ايو خليل..؟
    طولة العمر لك..ايه اللى فكرك بيه النهاردة..
    قابلت ابنه النهاردة فى السبتية..
    الشيخ مرتضى..؟ موش كانوا بيقولوا مات فى السجن..؟
    سرح بفكره قليلا ثم قال فى حزن :
    يا ريته كان مات..
    قالت فى نبرة من يريد انهاء الحديث:
    لسانه هو اللى جاب له الكافية..
    همس فى اسى كمن يحدث نفسه :
    معرفنيش..تصورى.. مرتضى ابراهيم ابو خليل معرفنيش..
    قالت فى ضيق مواسية :
    ماهو اللى جابه لنفسه ..هو فيه حد قد الحكومة..؟
    وكأنما تنبه لوجودها فقال باسما برغم الحزن الجاثم على قلبه:
    انما انت حلوة ليه النهاردة كده..؟
    بسطت كفها فى زجهه وبنبرة ضاحكة قالت :
    النهاردة الخميس..وبعدين انا طول عمرى حلوة ..والا نسيت..؟
    قال فجأة وفى لهجة جادة :
    ايه رأيك يا علوية...تتجوزينى..؟!!
    اتسعت عيناها فى دهشة ..ثم اغرقت فى الضحك قائلة :
    الظاهر النومة لوحدك مع العفاريت لحست مخك...!!!

    # طبق الأصل : من دفتر احوال البرنس داوود ( 2 )
    ------------------------------------------------------

    سحبه من يده برفق ثم اوقفه قبالة الشيخ الضرير قائلا فى ابتسامة حانية :
    ابنى محمود يا مولانا..
    مد الرجل كفه يتحسس رأس الصبى وهو يتمتم:
    بسم الله ما شاء الله ..
    عاد الرجل بقول:
    جئت به لنوال البركة..
    ثم مستدركا فى نبرة شابها الفخر :
    يحفظ خمسة اجزاء من القران ..
    قال الشيخ عبد ربه فى نبرة لا تخلو من التهكم:
    حسبتك تقول يحفظ القران كله ..
    ثم جادا :
    لقد حفظت القران وانت فى التاسعة.. ولولا الفقر لنلت الشهادة العالمية..ومن يدرى..لعلك كنت الان مفتيا للديار او من كبار العلماء..
    همس الرجل وقد باخ حماسه :
    كل شىء نصيب يا مولانا..ثم ان الزمان غير الزمان..
    قال الشيخ الضرير كمن يحدث نفسه :
    - بل الرجال غير الرجال...

    *****************************

    ( 25 )

    تجاوز الليل منتصفه..والميدان الواسع بدا خاليا من المارة ..سيارات مارقة هنا وهناك.. الارض المغسولة بماء المطر تعكس الاضواء المتناثرة.. يحكم لف الكوفية حول رقبته ثم يدس يدهمسرعا فى جيىب المعطف...الهواء منعش مرطب برائحة المطر..والبرودة القارصة تنفذ الى عظامه..اشار الى احدى سيارات الاجرة فلم يعره السائق اهتماما.. قديما كانت تغمره النشوة وهو يعبر هذا الميدان فى هذا الوقت من الليل..الميدان هو نفسه..الشارع لم يتغير..ذات الهواء..نفس المطر.. لعله القلب..؟؟

    *****************************

    ( 26 )

    حين دلف الى المقهى لاقاه صاحبه هاتفا :
    انت فين يا استاذ..الدنيا مقلوبة..
    تساءل مستفسرا :
    خير يا معلم نور ..؟
    هتف الرجل فى حنق :
    هاييجى الخير منين ..؟ الامريكان ضربوا العراق..
    قال فى هدوء:
    ما احنا كنا متوقعين ده يا معلم..
    عاد الرجل يصيح :
    متوقعين ايه ..يعنى احنا ها نسكت ونحط ايدينا على خدنا زى ولا مؤاخذة الولايا..؟
    تدخل احد الرواد فى الحوار ساخطا :
    ما هو ما بيحرمش يا جماعة..
    قال اخر فى هدوء ونبرة الخبير العالم ببواطن الامور :
    يا جماعة ..موش عايزين نسبق الاحداث..بكرة يولع الدنيا.. ده مخبى بلاوى..
    عاد المعلم نور يصيح :
    برضه ما جاوبتش على سؤالى يا استاذ..احنا ها نسكت..؟
    لعق شفته بلسانه من اثر البن العالق بها ثم قال :
    يا معلم نور ..دى حرب..الموضوع اكبر من كده بكتير ..والمسألة ليها حسابات معقدة ومتشعبة ..يعنى موش زى انت متصور ..
    تساءل المعلم نور بعفوية :
    يعنى فكرك يا استاذ انه ممكن يطلع الكيماوى والنووى اللى هنده ..؟
    كل شىء جايز يا معلم..دى حرب..وان كنت اشك انه عنده حاجة من دى..
    ليه بقى ولا مؤاخذة ...؟
    سرح ببصره بعيدا..غامت الدنيا امام نلظريه..تتابعت الرؤى.. وانثالت على ذاكرته الوجوه الحبيبة..غص حلقه بدمعة افلتت منه..انتزعه صوت المعلم نور من عالمه..فقال بصوت لا يكاد يسمع:
    تعرف يا معلم..ما فيش حد يعرف اى حاجة..ولا حد مسموح له يعرف,, ولا حد فى ايده يعمل حاجة...

    **************************

    ( 27 )

    قال له رئيس التحرير مشجعا :
    أرنا همتك يا استاذ..هذا الريبورتاج نعقد عليه االا كبيرة..فالجريدة فى مسيس الحاجة الى هذا العقد..
    قاطعه فى تبرم:
    ولكنى لم يسبق لى اجراء مثل هذه الحوارات... وبالذات مع سيدات الاعمال ...
    هتف رئيس التحرير فى حماس:
    ليست سيدة عادية ..انها من اكبر سيدات الاعمال فى افريقيا والشرق الاوسط..
    ثم بلهجة موحية ومبتذلة :
    ثم انها تدفع بسخاء...

    ********************

    لا يدرى لماذا تذكر محجوب عبد الدايم وهو يدلف الى المكتب الفخم ..تسبقه السكرتيرة الانيقة..توقف فى منتصف المسافة الى المكتب باشارة خفيفة من السكرتيرة التى مالت بجزعها قليلا على السيدة القابعة خلف المكتب هامسة ..ثم عادت واشارت اليه بالتقدم وهى تغادر الغرفة..
    تلاقت النظرات هتفت فى دهشة .
    مين ..؟ انت...؟
    اتسعت حدقتاه انكارا وقد بوغت ..هتف بلا وعى :
    ...علوية ...؟!!!

    ********************

    ( 28 )

    تعانقا طوبلا ..سحبته من يده الى الانتريه الانيق القائم فى الركن المقابل..راحت ترمقه فى شوق وشغف..قابل نظراتها بابتسامة حانية ثم قال :
    ّاخر ما كنت اتوقعه ان القاك هنا ..
    ضحكت فى سعادة وهى تهتف:
    واخر واحد كنت اتوقعه..
    راح يجول بناظريه فى محتويات الغرفة الفاخرة..همس مداعبا :
    ايه ...الله يرحم...
    قاطعته مشيحة بيدها :
    ايام الله لا يرجعها..
    نسيت حارة قطيفة ..؟
    وهى الايام السودة تتنسى ..
    طرح الاجندة وجهاز التسجيل جانبا وهو يقول :
    قالولى انك خريجة اقتصاد من هارفارد ...
    اغرقت فى الضحك حتى دمعت عيناها ث قالت :
    الفلوس تشترى كل حاجة ...وأى حاجة ..وبعدين ما تنساش..انا معايا دبلوم تجارة ..
    قال ضاحكا :
    طيب كنت قولى جامعة اسيوط مثلا..تبقى معقولة..انما هارفارد..؟ وبعدين ايه مدام كاميليا دى ..
    ضاحكة فى حبور :
    - موش اسم حلو والنبى..!! ثم فى جدية :
    - تعرف ..لو قلت جامعة اسيوط..كنت هالاقى اللى يدور ورايا ..ويتقصى انما هارفارد..ومدام كاميليا ..وباسبور امريكانى...شوف انت بقى...ده البعبع بتاع العالم..!
    هز رأسه غير مصدق وهو يقول :
    انما ده كله..ازاى..ومنين..؟!
    اجابت فى بساطة :
    اتجوزت...!!
    مازالت الدهشة تحتويه..:
    - اتجوزتى ..؟ وهو الجواز يعمل كل ده..؟!
    اجابت فى اقتضاب :
    امير ....!!
    امير ..؟؟!
    وعنده جنسية امريكية ...ده الموضوع ببساطة ومن غير تفاصيل..
    فى تعجب وسخرية قال :
    سيدة اعمال ..شركات دعاية وفضائيات...اطقم سكرتارية...ولغات...
    ثم متسئلا فى استنكار :
    لغات ..يا علوية ..؟
    قالت باسمة فى زهو :
    الدولار بيتكلم عربة وانجليزى ...وفرنساوى..
    عاد يقول مداعبا :
    فضلتى على ...امير ..؟
    قالت ضاحكة :
    فقير اتجوز فقيرة...
    اكمل :
    خلفوا شحات...
    هتفت وهى تغرق فى الضحك:
    خلفوا عالم ثالث...!!

    *************************

    ( 29 )

    ...تواصل الحديث بغير انقطاع...شيقا..شجيا ...ساعات هى العمر كله..

    ..هتفت فى صخب طفولى :
    تتعشى معايا ..
    اشار الى ضوء الفجر الذى كان يتسلل فى سكون مبددا ظلمة الليل:
    قصدك نفطر ...
    تنبهت لقوله فأخذت وجهه بين كفيها وهمست فى شجن :
    تصور با محمود ...نسيت الدنيا معاك...
    هزته كلماتها البسيطة من اعماقه..امسك بكفيها قائلا :
    تصدقى يا علوية ..انا اكتسفت ان انت الشىء الوحيد الحقيقى فى حياتى...
    طأطأت رأسها فى محاولة لإخقاء دمعة افلتت منها وقالت :
    ولازم تعرف ان انت الحاجة الوحيدة الصح فى حياتى...!!!

    ******************************

    ( 30 )

    تملكه حنين جارف الى المقهى..لم يقو على المقاومة..داهمه شعور مقبض وهو يشرف على الميدان القديم..تأكد شعوره حين توسط الميدان..وراح يجول بناظريه فى الحديقة الكبيرة التى احتلت مكان السوق القديم...دمعت عيناه وهو يتحسس طريقه الى الشارع الكبير الذى طالما جال فيه طفلا..وصبيا حتى صار جزءا من كيانه..انعطف يسارا الى درب السوق...صدمته الأضواء الفوسفورية المبهرة فوق اللافتة المبهرجة على مدخل الشارع...رفع كفيه يقى عينيه شدة الضوء وهو يقرأ اللافتة فى صعوبة .." ابو الهول نت كافيه "..!
    ...تقدم منه شاب فى العشرينات بابتسامة واسعة مرحبا :
    اتفضل يا باشا ...
    ازدرد ريقه فى مشقة متسئلا بصوت بدا له غريبا :
    المعلم ..نور ...فين..؟؟!
    عقد الشاب ما بين حاجبيه متسئلا :
    - المعلم نور ..؟؟ ما فيش حد هنا بالاسم ده...

    ... مشى بخطوات متثاقلة ..وقد غامت الدنيا فى عينيه.. تسارعت انفاسه فى لهاث ...خذلته قدماه فانهار امام البيت القديم ...التفت فى اعياء فلمح الشيخ مرتضى ابراهيم ابو خليل يرمقه فى اشفاق ثم تولى عنه مهرولا...وصوته الأجش ينشد :

    طل القمر بين السحب مخنوق...

    والضحكة متغربة ..والحب شىء مسروق...

    زاغ البصر والننى..

    ويا دنيا ما كأنى..

    عشتك ولا لحظة...ولا شفت فيك شروق....!!


    *******************

    تمت

    صفوت عوض


    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2007/09/08]

    إجمالي القــراءات: [344] حـتى تــاريخ [2017/10/22]
    التقييم: [97%] المشاركين: [9]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: الحب فى الطريق العام - الفصل الثاني
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 97%
                                                               
    المشاركين: 9
    ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]