دليل المدونين المصريين: المقـــالات - الحب فى الطريق العام - إفتتاحية والفصل الأول
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     نوفمبر 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: أدب وفن
    الحب فى الطريق العام - إفتتاحية والفصل الأول
    صفوت احمد حسن عوض
      راسل الكاتب

    أعود اليك يا معشوقة الزمن القديم... اشهر بيمينى حزنا ويسرى قهرا وعذابا، اطوف طرقات المدينة اطرق الابوابا، ابحث عنك عنك عن عينيك خلف ابواب الحريم... فأنى فارسك القديم...!
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?476
    الحب فى الطريق العام

    رواية مصرية تاليف : صفوت عوض


    افتتاحية
    تفرست فيه العينان ... سلبته حواسه ولم يستطع لعينيه تحويلا..تسلل الصوت البارد الى اعماقه :
    أتعى ما اقول؟
    -بلى يا سيدى
    كى تعيش يجب ان يموت الجميع
    أجل يا سيدى
    أقتل بلا تفكير...بلا رحمة...بلا سبب
    وامتدت اليد الفولاذية تكاد تنتزع قلبه:
    هذا الملعون لا مكان له فى عالمنا...ليكن اول قتلاك ...
    *****************
    كان يهم بالسجود حين أحس بوجوده يطغى على المكان..ارتبك وتلعثم التفت فراه يحدجه بنظرة مميتة
    ماذا تفعل؟ اجاب فى حشرجة : أصلى
    ماذا؟ جف ريقه...جاهد ان يخرج صوته ثابتا : أصلى...
    تصلى ؟ لمن ؟
    لم يدر ماذا يقول...ركن الى الصمت والنظرات الوحشية لا ترحم
    اين سلاحك؟؟
    تناوله سريعا من فوق المنضدة القريبة قائلا : هو ذا يا سيدى
    ولم تركته؟
    لا صلاة بالسلاح يا سيدى.. ابتسم فى ظفر هاتفا : ارايت ؟ اما الصلاة واما...
    لم يكمل عبارته.. أادرك ما يعنيه.. اقترب منه الرجل ووضع كفه على كتفه ضاغطا بقوة مؤلمة :
    سلاحك هو سبيلك الى القوة..والمجد والسلطان ..ولاءك يجب ان يكون له..لا تدعه يغيب عن ناظريك لحظة واحدة.. انت أحوج ما تكون اليه أما الرب فلا حاجة له لصلاتك
    فى صوت بدا له غريبا عنه أجاب: نعم يا سيدى
    ليكن سلاحك فى قلبك...ودع الرب فى سمائه...!

    الفصل الاول

    استهلال:

    " أعود اليك يا معشوقة الزمن القديم...
    اشهر بيمينى حزنا ويسرى قهرا وعذابا
    اطوف طرقات المدينة اطرق الابوابا
    ابحث عنك عنك عن عينيك خلف ابواب الحريم...
    فأنى فارسك القديم...!

    " ص . ع "
    هتف الشيخ فى صوت هادر
    أى عار لحق بنا؟ .. أى لعنة حطت علبنا ؟
    نكس الرجال رؤسهم امام ثورة الشيخ وقد تباينت المشاعر على وجوههم بين الغضب والسخط والأسى.. راح الشيخ يدور فى الغرفة كالمذهول وهو يردد:
    لا حول ولا قوة الا بالله.. عليه العوض..عليه العوض
    قال احد الرجال فى أشفاق : لقد غرروا به يا شيخنا..
    بل ملعون حق عليه القصاص..
    هتف الرجل منزعجا مادا يداه الى الامام كأنما يتقى بهما شيئا مجهولا: لا..لا يا شيخنا:.. انه ولدك
    انتفض الشيخ وقد احتقن وجهه: لا والله..ما عاد بولدى.. انه عمل غير صالح.. ثم اتجه الى باب الغرفة صائحا : صالحة..
    تعثرت الفتاةفى هرولتها وهى تحاول احكام لف الخمار على رأسها وهمست : نعم يا عماه..
    شملها بنظرة فاحصة قبل ان يقول فى صوت جاهد ان يكون هادئا : تعالى يا ابنتى..
    تقدمت منه مطأطأة حتى صارت قبالته... ربت على كتفها فى حنو قائلا:
    - لقد انزلتك منزلة الابنة منذ استشهاد اخى... همست : اجل يا عماه..
    - وأخترتك زوجة للشيطان المارق..
    لم تنبس الفتاة بينما الشيخ يواصل:
    -عامر لم يعد رجلك منذ اليوم...
    استدارت الفتاة ولم تعقب خارجة من الغرفة على حين هتف الشيخ : يا ولد,,,
    هرع على النداء فتيان فى مقتبل العمر ومثلا بين يدى الشيخ الذى بادرهما:
    -انصنا لما اقول.. لم يعد عامر من أبنائ عمومتكما..لقد خان دينه وربه وانضم لجند الشيطان.. دمه حلال وانتما اولى الناس به...!
    تعالت صيحات الاعتراض حول الشيخ..رفع يمناه قائلا:
    - ألست بشيخكم؟ هتف الجميع: - بلى...
    -عليكم الطاعة..عامر مرتد..ودمه حلال..ثم التفت الى الشابين وقد برقت عيناه:
    - وانتما اولى الناس به


    ( 2 )

    أماه...
    شهقت المرأة فى فزع وكتمت بكفها صرخة كادت تفلت منها ..همست فى رعب:
    عامر؟
    أقترب منها فى خطوات سريعة مادا ذراعيه ..غلبها الشوق ولكنها تذكرت الشيخ..تراجعت فى خوف قائلة : لا... عد من حيث اتيت..
    احتواها بين ذراعيه وراح يقبل رأسها تحسست وجهه تتلمس معالمه فى الظلام وقد اغرورقت عيناها همست بصوت يشرق بالدموع:
    -أذهب يا ولدى..اذهب سريعا ابوك سيقتلك.. الكل يتربص بك...
    لم تلمح ابتسامته الساخرة فى الظلام وهو يقول: لا تخافى لن يتمكنوا منى..أين هم الآن؟؟
    تساءلت فى استنكار: ماذا.. أتشى بأبيك وابناء عمومتك؟؟
    لم ينبس..دفعته فى عنف: لست ولدى..اخرج او اقتلك.. صاح فى أسى : أماه..
    هتفت فى صلابة: أخرج.. – أين صالحة؟
    عادت المرأة تهتف فى اصرار: اخرج او اقتلك..
    تراجع الى الخلف قليلا وهو يقول فى رجاء: ارجوك يا اماه..اريد زوجتى..
    .... داهمه اختناق مفاجىء...وبدا وعيه يتلاشى وصالحة تتقدم فى ثبات وصوتها يدفعه الى هاوية العدم:
    أذهب بسلام...ما عدت زوجى...

    (3)

    أنتباه ...
    دوت الصيحة فى قوة ممزقة سكون البلدة..تبعتها قرقعة السلاح متزامنة مع دقات الاقدام..على حين دوى صوت البروجى مدويا بينما كانت سيارة القائد تدلف من مدخل البلدة صوب الميدان القريب مثيرة خلفها زوبعة من الاتربة..لحظات وترجل القائد متجها مباشرة الى باب الخان دون ان يلتفت الى احد...
    راح يجول بنظره فى أرجاء الغرفة التى أعدت مكتبا له.. بدى الأثاث نظيفا لامعا..والستائر الكثيفة تتدلى على النافذتين اللتين تطلان على الميدان مباشرة..أتجه الى الباب القائم على يساره ودلف الى الغرفة الاخرى التى جهزت لنومه والتى يربطها بالمكتب ممر ضيق..بعد دقائق لحق به جنديان يحملان متاعه ووقفا بلا حراك ينتظران اوامره.. أشار اليهما بالدخول لترتيب حوائجه بينما اتجه فى خطوات بطيئة وجلس خلف المكتب معتمدا بكوعيه على طرفه..وأسند ذقنه بين راحتيه.. وأغمض عينيه فى تثاقل وبدا وكأنما راح فى أغفاءة
    ..... للمرة الاولى منذ التحاقه بهذه الفرقة يلمح العينين الزرقاوين وقد لاحت فيهما نظرة باسمة على حين جاءه الصوت البارد يقول فى لهجة ودودة لم يألفها:
    غدا نذهب للقاء الزعيم...
    بدا انه لم يستوعب ما قاله الرجل فتساءل فى صوت مبحوح غير مصدق:
    - ماذا يا سيدى..؟ الرجل تتسع ابتسامته مؤكدا:
    -أعد نفسك للمثول بين يدى الزعيم ...يبغى لقاءك..
    الجمته المفاجأة..شعر بقلبه يكاد ينفجر بين جنبيه من هول الفرحة التى غمرته..حاول ان يتكلم فلم يستطع على حين تقدم منه الرجل وربت على كتفه بقوة ممزوجة بالفخر:
    -انت اهل لها وانا فخور بك...ثم وهو يبتسم فى سعادة : تفوقت على معلمك..لقد خلقت لتكون طاغية..!
    ... انتبه الى الجنديين اللذين يقفان بلا حراك فى منتصف الغرفة...اعتدل فى جلسته واراح ظهره على مسند المقعد ونظر اليهما فى تساؤل..تقدم احدهما الى الامام خطوتين مؤديا التحية العسكرية قائلا: تمام يا افندم..
    قام فى هدوء ملقيا نظرة على الغرفة بعد ترتيب متاعه على حين تبعه الجنديان لتلقى ملاحظاته..جلس على طرف الفراش واضعا ابهاميه فو الحزا الاسود العريض بنما راح يدق ارض اغرفة الخشبية بكعب يناه دقات متتابعة : الغداء فى الثانية.. قالها باقتضاب مشيرا الى حذائه العسكرى ذى الرقبة التى تمتد حتى ركبتيه..انحنى الجندى فى سرعة راكعا على ركبتيه وراح يعالج اربطة الحذاء بمهارة بينما اتجه الاخر الى الباب المؤدى الى الحمام وعاد مسرعا حاملا اناء البلاستيك ممتلأ بالماء... وبينما كان الجندى الأول يحمل الحذاء والجورب خارج الغرفة كان الاخر يقوم بمهمته فى تدليك قدمى قائده بالماء الساخن...
    ...استلقى على الفراش فى استرخاء وقد بدأ الخدر يسرى فى جسده...راح يغالب النعاس الذى يتسلل الى اجفانه بينما كان الصوت البارد يهمس فى اذنيه:هذا يومك..ميلادك الحقيقى..~ان لك ان تجنى ثمار ما اديت من اعمال...
    ..فى لحظات هى العمر كله...قطع المسافة الى تفصل بين مدخل القاعة ومجلس الزعيم ...لم يعى ما حوله..ولا اين هو..تحول ماضيه وحاضره ومستقبله بل كل ما فى الكون الى تلك اليد التى امتدت اليه فى تحفظ فانحنى فى خشوع وقبل ظاهرها فى امتنان ..اعتدل فى قوة وقد انتصبت قامته وعيناه تشخصان الى ما خلف الزعيم بلا وعى..بدا له انه يعيش حلما غاية فى العذوبة وصوت الزعيم يحتويه:
    -انت رجل مخلص..وانا اقدر المخلصين...
    لم يدر كيف انتهى اللقاء ولا كيف عاد الى المعسكر..وفى صباح اليوم التالى كان يتأهب لمغادرة المعسكر الى الابد..احتضنه معلمه بقوة وهو يقول بصوت متحشرج:
    انت فى سبيلك الى المجد والرفعة..لا تضعف ولا تتهاون حتى مع نفسك...
    اطلقه من بين ذراعيه وهمس وهو يتحسس رتبته الجديدة فوق كتفيه:
    -اذا التقينا ثانية يجب ان تكون هذه الشارة هى شارة القائد الأعلى ...!

    (4 )

    فرغ من تناول عشائه الدسم وتهيأ لاشعال سيجاره حين تقدم منه صاحب الخان فى انحنائة واضحة قائلا فى صوت خافت:
    -لعل سيدى يكون راضيا عن طعامنا..
    اطلق سحابة كثيفة من الدخان متمتما : لا بأس..
    تشجع الرجل قليلا وهو يقول بحماس: هدفنا رضاكم السامى..وانا مواطن ادين بالولاء للزعيم ولكم سيدى القائد...
    سأتناول القهوة فى الشرفة... قالها القائد وهو يتجه خارج قاعة الطعام على حين اسرع الرجل يتقدمه فى هرولة الى الشرفة..غاب للحظات عاد بعدها تتبعه امرأة فى العقد الرابع..وبينما كانت المرأة منهمكة فى تقديم القهوة قال الرجل باسما فى مداهنة: - زوجتى ..وخادمة سيدى...
    .. أحست المرأة بنظراته الساخنة تلفح وجهها وجسدها..تراجعت الى الخلف متحاشية النظر الى عينيه..أشار بيده بالانصراف..وحين هم الرجل وزوجته بالخروج قال فى صوت بارد:
    ابق انت...
    انصاع الرجل للأمر وخرج منحنيا على حين تسمرت المرأة فى مكانها..رفع فنجان القهوة الى شفتيه وعيناه مثبتتان على المرأة..همس: اقتربى..
    كادت تتعثر فى ثوبها الفضفاض..ابتسم فى نشوة..وهى تحاول الهرب بعينيها من عينيه
    انت فاتنة حقا..
    قبض على معصمها فجأة فشهقت المرأة فى رعب..جذبها بعنف حتى مالت بجذعها على المنضدة..رفعت رأسها هامسة فى الم وتوسل:- أرجوك..
    غمرها بأنفاسه العبقة برائحة التبغ وهو يهمس:
    -سأكون فى غرفتى فى الثانية عشرة..
    أغمضت عينيها وهى تهمس في لوعة: - لا...لا...
    أطلقها من قبضته وهو ينهض: سأجدك بانتظارى...!

    ( 5 )
    قال رئيس الحرس الخاص:
    -سيدى القائد.. اتسمح لى ؟
    -اجاب وهو يلقى على المراة نظرة اخيرة : - قل ...
    - أرى ان نؤجل هذه الجولة الى يوم اخر..
    رمق الضابط باستهانة متجها الى الخارج:
    هذا يوم مناسب...
    سيدى .. انه يوم السوق..معنى هذا...
    قاطعه فى حزم: اعرف ..لذا فهو اليوم المناسب..
    توقف فى منتصف الطريق فجأة وقال للضابط فى برود:
    عليك ان تعلم..انا افقد صبرى سريعا..
    هتف الضابط سريعا: - تمام يا افندم..

    **************************************

    استقر فى مقعده خلف السائق..وانطلق الركب العسكرى يجوس خلال القرية فى استعراض للقوة والمهابة..وبين الحين والآخر كان يزيح الستار الجانبى بعصاه متطلعا الى الدور والشوارع يرصد التغيرات التى حدثت خلال الاعوام الخمسة الاخيرة..لم يحدث تغيرا يذكر اللهم الا بعض البنايات الحديثة وتلك الحوانيت التى زاد عددها عن ذى قبل..
    ...واصل الركب تقجمه فى زمجرة عاصفة حتى أشرف على الميدان الرئيسى للقرية..وبدا الميدان مكتظا بالباعة والبضائع من كافة الاشكال والاحجام...تبسم داخله لمرأى هذا السوق الذى كان يوم عيد فى طفولته..كان وأقرانه ينتظرون مقدم هذا اليوم بصبر نافد..فهو يوم الفرجة العظيم..واللهو الذى لا ينقطع..ولا يلبث ضوء النهار ان يخبو سريعا منبئا بأدباره وحلول الليل..وانفضاض هذا العيد..وتبدأ رحلة العودة الى الدور وقد حل لتعب بالاجساد الضئيلة ويصير الخطو مثقلا والقلوب الصغيرة يغلفها الشوق والحنين..وتتهالك الاجساد فوق الطراحات القطنية التى فرشات فى جنبات الغرف مستسلمين للنوم..
    ..انثالت عليه ذكريات الصبا والشباب المتشوق..تلك السوق التى كانت مرتعا خصبا لشبابه التوثب..يدفعه الشوق الغامض الى تلك الصدور النافرة.. والأرداف المتأنقة والخصور المتأودة..تتناغم همسات الخفر مع ضحكات الدلال..فيستقبلها بوعى حالم متنسما عبير الأنثى الجامحة..ولا يلبث ان يصدم بتلك النظرة الجريئة المتصدية..تداعبه عابثة..فتدفع بأبخرة الرغبة المجنونة الى يافوخه...ويعود يحلم بالسوق لقادم...

    ****************************************
    عندما بدأت طلائع الموكب العسكرى تشرف على السوق..ساد الهرج..وبدا الذعر والفوضى يسيطران على حركة الجمع الحاشد..وراح الكل يلتمس له مهربا اينما اتفق..ومن لم يستطع الفرار لجأ الى اقرب حانوت يتوارى داخله...وتبع ذلك انفراط البضائع من فوق العربات الى ارض السوق..على حين كان الجنود يقفزون من فوق عرباتهم العسكرية شاهرين اسلحتهم..وراحوا يتخذون مواقعهم فى نصف دائرة..وجوههم تجاه الحوانيت وظهورهم الى الميدان الذى خلا من الرواد..
    ...خيم الصمت على السوق وتحول الجمع الصاخب الى عينين تتابعان الرجل فى خطوته الواثقة على ارض الميدان الحجرية..وحذاءه العسكرى يدق الارض فى دقات متتابعة تصك الاذان وترجف القلوب..وبينما يجول بناظريه فيما حوله مزقت السكون الجاثم صرخة امرأة..وفى ثوان كان الحرس يحيط بالقائد وفوهات المدافع مصوبة تجاه مصدر الصرخة..وفى اللحظة التالية كان الطفل الذى انفلت من يد امه يعبر الطريق عدوا فى اتجاه القائد..تلقفت الطفل ايدى الحراس الذى راح يقاوم فى عناد طفولى..جاءت الصرخة الثانبة ملتاعة:
    ولدى...ولدى..
    اخترقت المرأة الحصار واندفعت تجاه ولدها..وانطلقت دفعات متتالية من رشاش احد الحرس تحت اقدامها فانكفأت على وجهها صارخة..وقبل ان تعتدل كانت الأيدى الفولاذية قد شلت حركتها وحملتها بلا رحمة ملقية بها تحت اقدام القائد..قالت المرأة فى ضراعة:
    -انه طفل يا سيدى لا يعى..لقد اراد رؤيتك عن قرب..اقسم لك...
    ربت على كتفها بعصاه ثم اشار اليها بالنهوض..قامت المرأة تنفض عن ثوبها ما علق به..ثم مدت يديها تلملم شعرها الذى انفرط عقاله اثر سقوطها وبينما كانت تحكم خمارها فوق رأسها كان يحملق فيها بتركيز وثبات محاولا استدعاء الماضى...همس فى نبرة ناعمة:
    ألست بفاطمة؟؟
    لم تقو المرأة على النظر الى عينيه المتوهجتين كقرص الشمس..وندت عنها همهمة غير واضحة..عاد الرجل يتساءل: - ألست بفاطمة ابنة الشيخ يونس الموصلى؟؟
    -بلى يا سيدى انا فاطمة..
    علت شفتيه ابتسامة ثلجية وعاد يقول:- هذا ولدك..؟
    لم تقو على الاجابة فأومأت برأسها ايجابا..
    ما اسمه..؟
    هشام..
    أتسعت ابتسامته الرهيبة وهو يكمل: - هشام سعيد ابو عيسى..أليس كذلك..؟
    عادت تومىء برأسها وهى تغص..
    اشار للحرس فاطلقوا الطفل الذى اندفع تجاه امه فى ذعر..أحتضنته فى لهفة وراحت تتحسسه بلا شعور وكأنما لا تصدق انه بين يديها.. همس عامر فى نعومة: - انه ولد شجاع..
    ربت باصابعه الباردة على رأس الطفل وهو يقول:
    -انت بطل شجاع يا هشام..
    هتف الطفل فى براءة: اجل انا رجل شجاع..
    ابتسم عامر وهو يقول:- أبوك ايضا رجل شجاع..
    أستشعر الطفل غرابة الموقف وخطورته من الرجفة المفاجئة التي اجتاجت جسد امه..فانكمش بين ذراعيها في خوف غريزى بينما قالت المرأة فى توسل:
    الولد خائف يا سيدى ..دعنا نذهب..
    قال عامر فى صوت قاطع: - أين ابوه..
    اتسعت حدقتاها من الرعب وقالت فى صوت متقطع:
    -رحل منذ شهور الى الكويت..و..
    قاطعها بنبرة كالسيف:- كاذبة..
    ثم موجها حديثه الى الطفل :
    -الم تكن تبغى رؤيتى عن قرب..؟ سأصحبك وامك فى سيارتى.. وستيقى معى حتى يأتى ابوك ليستردكما..
    وقبل ان تنبس المرأة كان الحرس يحملونها الى احدى السيارات العسكرية بينما اتجه هو الى سيارته وهو يقول لاحد معاونيه مشيرا الى الحوانيت:
    اجمعوا هذه البضائع وأضرموا فيها النار...

    ( 6 )

    استلقى على فراشه وقد اغمض عينيه ..وراح يستشعر نعومة الفراش وبرودته المحببة بظهره العارى بينما وقفت المرأة في منتصف الغرفة تعالج جدائلها المسترسلة ثم هزت رأسها بلطف فانسدل شعرها الذهبى ملامسا خصرها.. وانسابت الي الفراش فى ليونة ورفق..تساءل هامسا واصابعه الطويلة تتخلل شعرها:
    لم أعرف اسمك حتى الان..
    مريم..
    مريم..؟ اسم جميل..كيف حال فاطمة والطفل..؟
    الطفل تناول العشاء ونام..
    وهى..الم تأكل شيئا..؟ - تأبى تناول اى شىء..
    أحست بقلقه فهمست وهى تطوف بشفتيها فوق صدره:
    لا تقلق..لن تقاوم الجوع..
    بده وكأنما استغرق فى النوم وانفاسه تتردد بانتظام..همست متسائلة:
    - نمت..؟ هز رأسه نافيا ثم تساءل بلا مقدمات:
    - اين زوجك..؟ فوجئت بالسؤال فاجابت متلعثمة:
    - فى غرفته...لم..؟ ابتسم متسائلا :
    - ايعرف انك معى..؟
    اختلجت شفتاها ولم تجب..عاد يقول :
    ألم تراودك فكرة قتلى..؟
    اهتز جسدها بعنف وتراجعت برأسها إلا انه شدد قبضته على شعرها فتأوهت من شدة الألم ..خفف قبضته تدريجيا وعاد يربت بأنامله على رأسها وهو يقول:
    هذا مجرد سؤال..لا تكونى ساذجة..انت ما خلقت الا للحب..وأنا...
    صمت برهة قبل ان يقول :
    وانا لا تقتلنى امرأة...!!
    ****************************

    زمجر فى وحشية ورنين التليفون ينتزعه من بين احضانها..مد يمناه متناولا السماعة صائحا:
    ماذا هناك يا حيوان..؟
    جاءه الصوت معتذرا عبر الاسلاك:
    -عفوا يا سيدى ..الأمر لا يحتمل التأجيل... قال فى ضيق:
    - هات ما عندك..
    - وقعت احدى الدوريات فى كمين خارج البلدة
    - كمين ؟ كيف.. ومتى ..؟
    - فى الطريق الدائرى الموصل الى التلال..
    قال فى وجوم:
    والخسائر...؟
    عشرون رجلا .. وشاحنتان..
    أغرق فى الصمت حتى جاءه الصوت متسائلا: - سيدى..
    استدع اركان الحرب..سأوافيكم حالا...
    **********************************
    بادره رئيس الحرس بالتخية فقال باقتضاب وهو مستمر فى السير
    أقتل فاطمة والطفل وارسلهما الي البلدة..
    توقف هنيهة قبل ان يقول فى وحشية:
    اسمع... اعطها لرجالك اولا ..ثم اقتلها..
    ***********************************

    ( 7 )

    برقت عينا الشيخ فى وداعة وهو يرقب سعيد ابو عيسى محتضنا زوجه وولده..ثم قال:
    هون عليك يا سعيد.. علينا ان نتدبر امرنا قبل ان يفيق الشيطان..
    ثم ملتفتا الى الرجل المتوارى فى الظلام:
    اقدم يا رجل واحك لنا روايتك البطولية..
    تقدم صاجب الخان بعد تردد ثم قال:
    -لقد فعلت ما يفعله اى رجل يا شيخنا..
    ربت الشيخ على كتفه مهنئا على حين واصل الرجل حكايته:
    -بعد ان تواترت انباء الهجوم الذى قمتم به بعد حريق السوق..حدست ان الرجل سيفقد وعيه ويذبح كل من يلقاه..وكانت فاطمة والطفل اول ما تبادر الى الذهن..فهرعت اليهما وحملتهما فى سيارتى قبل ان يتنبه احد
    ...قال الشيخ فى اعجاب:
    -انها مخاطرة عظيمة يا ولدى..
    - بلى يا شيخنا..ولكنى رأيت المبادرة بالهرب ومواجهة الموت افضل من الانتظار حتى يأتى الموت الينا..
    قال سعيد ابو عيسى فى صوت مختلج: بارك الله فيك يا أخى..
    ...تساءل الشيخ فجأة : ولك اين زوجك ..؟
    أحنى الرجل رأسه فى انكسار فتمتم الشيخ: لا حول ولا قوة الا بالله..لا تأسى يا اخى..سنتدبر امرها..
    برقت عينا الرجل فى قوة وهو يقول: - لا يا شيخنا...انا لها..
    ربت الشيخ على كتفه فى اشفاق وهو يقول:
    - دعك من ذلك الان..تعالوا بنا الى بقية الرجال لنرى ما نفعل ..ونرى الأسير...!


    ****************************
    ( 8 )
    جلس عامر خلف مكتبه يعبث بمسدسه ثم قال بعد فترة من الصمت:
    كم كان عدد المهاجمين..؟
    أجاب الجندى فى رجفة:
    لا ادرى يا سيدى..كان الظلام حالكا..
    عاد يقول فى هدوء قاتل : - كم عدد قتلانا..؟
    تسعة عشر يا سيدى..
    لم ينج الا انت..؟
    بلى يا سيدى..
    قام في أناة يدور فى الغرفة حول الجندى متشاغلا بالنظر الى ارض الغرفة ثم قال:
    -كم لبثت اسيرا لديهم..؟
    - يومان يا سيدى..
    - لم لم يقتلوك..؟
    - اخبرونى انهم لا يقتلون الأسرى.. ضحك فى شراسة وهو يقول :
    - اجل ..لا يقتلون اسراهم..ماذا فعلوا معك..
    -حملنى الشيخ برسالة اليك سيدى القائد..
    تساءل فى انكار : - الشيخ ..؟
    اجل يا سيدى..هو شيخهم..
    قال عامر فى تسليم :- هات ما عندك..
    تردد الجندى قليلا ..لاحظ عامر تردده فقال فى هدوء:
    قل ما عندك ...لاتخف..
    تشجع الجندى قليلا وهو يقول :
    يقول لك الشيخ ان شئت عدت ولك الامان..فأنت ابن ابيك..وان ابيت واثرت مؤازرة الشيطان ..فأنت صريع ابيك..
    ...مرت لحظات صمت مشحونة وبدت ملامحه تنقبض فى توتر..ثم توقف مواجها الجندى هامسا بصوت كالفحيح :- من غيرك يعلم انه ابى ..؟
    أجاب الجندى فى تأكيد : لا أحد غيرى يا سيدى..
    ارتفعت يمناه فى تمهل حتى اصبح المسدس مواجها قلب الجندى تماما..اتسعت عينا الجندى فى رعب بينما عامر يهمس فى ازدراء :
    انهم لا يقتلون الأسرى...ولكنى اقتل الجبناء...

    *****************************

    ( 9 )

    اندفعت الى داخل الغرفة ناشجة وهتفت فى صوت باك:
    أماه...أماه..
    مدت العجوز يديها فى انزعاج تتحسس بهما ما عجز البصر عن رؤيته..احتضنتها بقوة وحنان وهى تقول :- ما بك يا بنيتى.. بسم الله الحفيظ... بسم الله الحفيظ..
    هتفت الفتاة وصوتها يشرق بالدموع :
    عامر ... عامر يا أماه..
    تصلبت يد العجوز حول كتفى الفتاة ثم همست :
    عامر ؟ ولدى..؟
    اجل يا اماه ..انه هو.. عادت المرأة تتمتم :
    ولدى..؟ لقد حدسته بقلبى ..ولكن من اخبرك..؟
    فاطمة..فاطمة بنت الموصلى..
    ألم يشاع انها... قاطعتها الفتاة والدموع تغالبها :
    بلى يا اماه..ولكنها هربت..عادت لتحمل بعض المتاع والمؤن فى طريقهم الى الجنوب...
    تفكرت المرأة قليلا ثم قالت: الجنوب..اجل هكذا كان يقول الشيخ دائما ..ان لم يكن هنا ففى الجنوب المستقر الى حين..
    تطلعت اليها الفتاة فى حين عادت العجوز تهمس:
    " قل ان الموت الذى تفرون منه ......"...لا يا بنيتى ليس الفرار هو الحل..
    همست الفتاة فى اشفاق:- اماه...
    راحت العجوز تطوف بكفيها على وجه الفتاة تتلمس معالمه فى حنو وهى تقول :
    كيف فاتنى ان الحظ هذا الشيطان الكامن فى اعماقه منذ صباه..؟ لهفى عليك يا عامر...
    همست الفتاة وهى تقبل يد العجوز :
    أذهب اليه يا اماه ..
    تساءلت العجوز فى انكار :
    تذهبى اليه ..؟ الى من يا بنيتى ..؟
    قالت الفتاة فى رجاء :عامر يا اماه..ثم خفضت صوتها مغالبة دموعها :- زوجى..
    زوجك ؟ لا يا صالحة ..ما عاد زوجك..هذا زمن ولى ..ما عاد زوجك..
    همست صالحة فى اصرار : اجل يا اماه ما عاد زوجى ..ولم اكن لغيره .. ولن اكون...!
    ابتسمت العجوز ابتسامة حانية وربتت على رأسها قائلة :
    لم تكونى لغيره ..ولن تكونى.. اعرف يا صالحة..
    أشرق وجه العجوز بابتسامة واسعة وبدت كأنها غابت عن الدنيا..لم تنبس صالحة وهى ترقبها فى حنان ممزوج بالأسى...لم تحاول ان تنتزعها من عالمها العذب الذى تعيشه حتى همست العجوز:
    ماذا قالت فاطمة عنه ..؟
    حاولت صالحة ان تلتمس العبارات التى لا تؤذى العجوز ولكنها بادرتها قائلة :
    لا تكذبى...انا ادرى الناس به..اليس بولدى..؟ اعرف كيف يتحدث..كيف يضحك..اعرفه فى غضبه..فى سعادته..وفى عشقه واحلامه..
    قالت صالحة : بلى يا اماه..انت ادرى الناس به..
    وانت يا صالحة ..احب الناس اليه ..!
    أحست المرأة بكاءها الكتوم..فقالت بصوت يغص بالدموع:
    - أعرفت اين هو ؟؟ - بلى يا اماه..
    دفعتها برفق وحنان وحاولت الا تغلبها الدموع وهى تقول :
    اذهبى اليه ...اذهبى..
    احتضنتها فى فرح طاغ..وراحت تقبل رأسها ووجهها قائلة :
    سأذهب يا اماه ...سأذهب...
    اندفعت خارجة فى لهفة محمومة...على حين أغرقت العجوز فى نشيج مكتوم...!

    **************************

    ( 10 )

    جال ببصره فى وجوه قواده..الذين تصلبت وجوههم وراحت نظراته وكأنما تخترق ستراتهم العسكرية..ثم خرج صوته يبعث الرعدة فى اوصالهم :
    انا هنا لاصطياد هؤلاء الجرذان الخونة والمارقين..الذين يسمون انفسهم بالثوار..وفى سبيل الولاء للزعيم والوطن لن انى عن اقتلاع هذه البلدة من جذورها.. عليكم ان تعوا حديثى جيدا.. الولاء والطاعة او الموت..
    توقف لحظة ليلحظ ما خلفه على القواد من تأثير..عاد يقول:
    امامكم ثمان وربعين ساعة لتأتونى بالخونة..اريد قادتهم احياء..اما حثالتهم فلا حاجة بى لهم..اقتلوهم جميعا ولا تدعوا واحدا يفلت..
    رفع احد الضباط الشباب يده طالبا الأذن بالحديث..اشار اليه بالتقدم.. انتصب الضابط قبالته قائلا:
    -لدينا رسولان جاءا بطلب للتفاوض..
    رمقه بنظرة قاسية وهو يزأر:- تفاوض ..؟ مع من..؟
    مع الثوار يا سيدى..
    هتف فى صوت كالقذيفة : لا اتفاوض مع الخونة ..اين الرسولان..؟
    حدس الضابط فكر قائده فقال بعد تردد : انهما فى القاعة ..
    اقتلهما..!
    شحب وجه الضابط الشاب واتسعت حدقتاه ثم قال فى صوت كحشرجة الموتى :
    سيدى القائد ..انهما رسولان..
    جاءه الرد كالصفعة : قلت اقتلهما..
    اختنق الشاب وهو يقول:
    سيدى القائد.. ان الشرف العسكرى يمنعنى ان اقتل رسولا..
    انخفض صوته وبدا كفحيح الافعى محدقا فى وجه الضابط:
    الشرف العسكرى..؟
    اجل يا سيدى ..
    مد يديه الفولاذيتين ينتزع بهما الشارة العسكرية من فوق كتفى الضابط واطاح بهما فى عنف هاتفا فى وحشية:- انت غير جدير بهذا الشرف العسكرى...
    ثم مشيرا الى احد معاونيه هادرا :
    خذوه... وليقتل مع الرسولين ...!

    *****************************

    ( 11 )
    قالت العجوز فى جزع :
    لم تعد صالحة حتى الان ..
    تساءل الشيخ متجهما : - اين ذهبت ..؟
    استشعرت العاصفة فى نبرات صوته فقالت فى تردد:
    ذهبت الى عامر..
    اطبق الصمت القاتل على المكان..راحت تتسمع انفاس الشيخ المضطربة فى توجس وقلق.. عادت تقول فى استسلام :- انا التى طلبت منها الذهاب...
    قال الشيخ وهو مشفق على المرأة المكلومة من غضبته :
    ايتها المجنونة...سيقتلها ..
    مدت المرأة يديها الى الامام فى رعب بالغ وهى تشهق :
    -لا...لا...لن يقتلها...عامر يحبها..
    - سيقتلها..وان استطاع قتلنى..وان شئت المزيد..سيقتلك انت ايضا...
    تكومت المرأة على نفسها بينما عاد الشيخ يقول فى أسى:
    انه يجمع النساء والاطفال لنستسلم..
    صمت قليلا قبل ان يقول بصوت خفيض:
    لا بد ان صالحة بين الأسرى...
    احست بحركة اقدامه فتساءلت :
    الى اين ..؟
    اجاب فى اقتضاب:
    ابقى انت هنا ..سأتدبر أمر صالحة ... والأخريات...

    **************************

    ( 12 )

    بدا منتشيا ثملا بكلمات الزعيم... هى حقيقة لا مراء..والصوت القوى يأتيه عبر الأسلاك :" انا فخور بك..والوطن يفخر بك..انت مثال للأداء العسكرى المنضبط وقدوة فى الولاء لزعيمك ووطنك..."
    ... لم تمض المهلة التى حددها لرجاله حتى كانت البلدة المتمردة تدين له بالخضوع...استسلم من استسلم...وقتل من قتل..وباتت البلدة وكأنها فى مأتم ابدى...
    ...استرخى على المقعد الوثير مادا ساقيه المتعبتين هاتفا :
    مريم...
    ألقت المرأة بنفسها تحت قدميه ورفعت رأسها الجميل فى دلال ورشاقة قائلة :-
    مرنى يا سيدى ومولاى ..!
    داعب خصلات شعرها بأنامله قائلا:
    انا سعيد الليلة... اريد ان احيا كما لم احيا من قبل..
    همست فى امتثال :
    وانا خادمتك يا مولاى..
    أعدى لنا عشاء فاخرا.. واكثرى من الشراب الجيد..ثم تخيرى بعض الفتيات الفاتنات ممن لدينا ليرقصن لى طوال الليل..هيا اسرعى..
    قامت المرأة فى هرولة قائلة :
    أمر سيدى ومولاى...
    ***************************

    (13 )

    تحامل على نفسه صاعدا الى غرفته.. وعندما سارعت مريم لمساعدته دفعها عنه هاتفا فى ضحكة هيستيرية :
    لست ثملا يا عاشقة الموت...انا والموت صنوان..وهذا ما يشدنى اليك..فلم اجد عاشق للموت سواك..
    راحت تساعده فى خلع ثيابه وهو يهذى...همست:
    سيدى..كانت هناك فتاة تلح فى ان ترقص لك...ولكنى منعتها..
    قال فى تعجب :- ليه ..عاشقة اخرى..؟ هاتها يا امرأة...
    قالت مريم وهى تغادر الغرفة :
    ساتى بها مع زجاجة اخرى...
    غابت مريم لحظات ثم عادت وبرفقتها الفتاة التى بدت متشحة بخمارها ولا يبدو الا عيناها...
    قالت مريم : هى ذى يا مولاى..
    نهض عامر بنصفه الأعلى من رقدته وجفناه مثقلان وقال فى صوت أجش:
    تعالى يا فتاة.. اقتربى..
    تقدمت الفتاة بخطوات ثابتة حتى اصبحت على مبعدة ذراع منه على حين تسللت مريم من الغرفة دون ان يلحظها ...رمقها بنظرة مخمورة قائلا : تعالى..ماذا تنتظرين ..
    مد يده يجذب الخمار عن رأسها كاشفا وجهها..لم تبد أى مقاومة وتركت الخمار ينزلق الى الأرض.. رمقته بعينين دامعتين..جاهد بقوة ليستعيد اتزانه..انتصب محملقا فى ذهول والفتاة ماثلة امامه..هتف بلا وعى:
    انت..؟ لا ...لا بمكن ان تكونى انت..!!!
    همست فى أسى :
    هو انا يا عامر...!!
    -بدا وكأنما فقد وعيه...همس :
    صالحة...؟
    لم تنبس..انحنت فى هدوء تتناول الخمار من فوق ارض الغرفة بينما قال وكأنما يحدث نفسه:
    -صالحة..؟ الرقص..والخمر..والجنود...لا...لا
    أحكمت غطاء رأسها وهمست باكية :
    هل اذهب ام لك حاجة الى ...؟
    دار بعينيه فى ارجاء الغرفة بلا وعى:
    --- اين ذهبت العاهرة ..؟ أكانت تعلم من انت ..؟
    أومأت صالحة برأسها ثم قال بصوت يشرق بالدمع:
    انتما الان متعادلان..اعطيتها لنفسك ورجلها ينزف قهرا وذلا ..واعطتنى لجنودك ورجلى بترنح ثملا ..
    استدارت فى هدوء الى الخارج وقبل ان يغيبها الباب تراءت مريم فى كامل زينتها..تقدمت منه بخطوات الأنثى الواثقة المنتصرة وعلت شفتيها ابتسامة مميتة وقالت فى صوت هادىء :
    احتجزت لنفسى الرقصة الاخيرة ... ولا تملك الا ان تقتلنى..
    تمالك نفسه قليلا وقال فى صوت لا اثر للانفعال فيه:
    الم اقل لك من قبل ..انا لا تقتلنى امرأة..وانت لن تموتى..
    صمت للحظات قبل ان يقول:
    ان قتلتك صنعت منك بطلة..صرت شهيدة..والدنيا ملأى بالحمقى الذين لن يتوانوا فى اقامة التماثيل لك..ومن يدرى..قد تتحولين الى قديسة..
    بدت المرأة محاصرة بنظراته النارية...بينما واصل مبتسما :
    ارأيت ..؟ من عاهرة الى قديسة..لا لن تموتى..سأصنع منك اسطورة العشق الأبدى..سأحتفظ بك .. عاشقة الموت التى لا تموت..
    ثم مادا يديه تجاهها هامسا فى عذوبة :
    هيا ...تعالى..لترقصى لى حتى الصباح...ولن تكون الرقصة الاخيرة كما قررت ...

    *******************************
     
    صفوت عوض

    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2007/08/31]

    إجمالي القــراءات: [310] حـتى تــاريخ [2017/11/18]
    التقييم: [97%] المشاركين: [13]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: الحب فى الطريق العام - إفتتاحية والفصل الأول
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 97%
                                                               
    المشاركين: 13
    ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]