دليل المدونين المصريين: المقـــالات - التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     يونية 2017   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: السياسة والرأي
    التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية
    عاطف هلال
      راسل الكاتب

    يقول كونفوشيوس حكيم الصين فى القرن السادس ق.م. " يدرس الناس الماضى والتاريخ منذ قديم الزمن بهدف تطوير أنفسهم "
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?26

    التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية

     تمهيد

    :يقول كونفوشيوس حكيم الصين فى القرن السادس ق.م. " يدرس الناس الماضى والتاريخ منذ قديم الزمن بهدف تطوير أنفسهم " . ولأن تاريخ البشر والأحداث يمثل خلاصة تجارب الإنسانية ، فسوف نجد فيه حكمة الأجيال وهداية العظة والعبرة ، وقالوا قديما : السعيد من يتعظ بغيره والشقى من يتعظ بنفسه ، فالتاريخ يعيد نفسه دائما ولكن لايعيد نفسه بنفس السياق ، فلا يصح أن نهمله كما لايصح أن يكون عاملا يجذبنا إلى الوراء .  ولا شك أن درجة الوعى السياسى والإجتماعى والثقافى تتحدد عند الفرد بقدر إلمامه بالتاريخ ، فهو يمثل أحد الأركان الرئيسية فى بلورة ثقافة الشعوب وترسيخ كياناتها .... ولكن عندما يصبح التاريخ ، أو على وجه التحديد اصطناع التاريخ وتزييفه جزءً رئيسيا من قواعد لعبة هيمنة الأقوى المتسلط برغباته ونرجسيته لسلب ونهب الثروات وإثارة الفتنة وإضعاف كيانات الدول الأضعف وشطرها إلى شراذم بخبثه وتسلطه ، مثلما يحدث حاليا فى منطقتنا العربية ، فلابد لنا من وقفة نعيد فيها قراءة التاريخ من جديد لبناء ثقافة التطور والمواجهة .

    وأحسب أنى قدمت جهدا متواضعا فى هذا الشأن ، منه مانشرته من موضوعات على صفحات منتدى أبناء مصر ، تحت عنوان " الإسم مصر وليس إيجيبتوس " ، وتحت عنوان " هذا بلاغ لبعض الناس " ، وتحت عنوان " فك الإرتباط  باللغة والعروبة والتاريخ" . كما أعتبر الموضوع الحالى بعنوانه ليس أكثر من حلقة متواضعة فى سلسلة تلك الموضوعات ، أرجو أن تمثل جميعها شرارة نبدأ بها الشعلة التى يمكن أن تضيئ عدة مسارات لمستقبل أفضل وأقوى لبلادنا بإذن الله .

    ولقد تجنبت فى كل ماطرحته من موضوعات التعرض لما يتعلق بعقيدة غير المسلمين ، لأن موضوع العقيدة لم يكن هدفا فى حد ذاته ، كما لم يكن مطلوبا لتحقيق أهداف تلك الموضوعات .. ولأن العقيدة فى رأيى هى من اليقينيات المعنوية الشخصية البحته ، ولأن مايعتقده الإنسان يمثل عنده مايؤكده من الأمور إيمانا أكثر مما يعرفه عنها  .. فكان كل جهدى وماوفقنى الله إليه من اجتهاد هو أن أفهم وأقرأ من جديد ماكتبه البعض عن الماضى مرتبطا بتلك الموضوعات كبداية لمحاولة أرجو أن لاتنتهى عندى أو عند غيرى ..

    وما توفيقى إلا بالله ، وما أوتيت من العلم إلا قليلا.

     الموضوع

    يقول المؤرخ سليم حسن (ص 553/ جـ 15/ موسوعة مصر القديمة) : " ولما كان الشعب المصرى الأصيل متمسكا بتقاليده القديمة منذ أقدم العهود فإنه استمر فى تدوين كل شؤونه باللغة الديموطيقية ، ولم يحاول قط تعلم اللغة اليونانية حتى دخل الإسلام البلاد" ..

    واللغة الديموطيقية هى طريقة من طرق كتابة لغة مصر القديمة ، وهى ليست إلا تطورا طبيعيا لها ظهر فى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد  ، واستمرت هذه الطريقة جنبا إلى جنب مع الكتابة بالخط الهيروغليفى (الكتابة المقدسة) وهو خط فاخر منمق يتم نقشه على الآثار الضخمة ، كما استمرت مع الخط الهيراطيقى المختصر الذى اختفت منه كل آثار الصور الأصلية فى الكتابة الهيروغليفية .. وتم تخصيص الخط الهيراطيقى لنسخ الكتب المقدسة وماشابهها ، فى حين أن الكتابة بالخط الديموطيقى كانت تستعمل للأغراض العادية اليومية مثل كتابة العقود والوثائق القانونية ... ويقول سليم حسن أن اللغة المصرية القديمة كانت لغة واحدة وتعرضت للتطور فى طريقة الكتابة ، وعلى ذلك تكون الكتابة المصرية القديمة – فى رأيه – هى لغة واحدة غير أنها تُكتب بثلاثة أشكال كاللغة العربية مثلا فهى تُكتب بالرقعة والنسخ والثلث ..

    والسؤال هنا : ماهو موقع اللغة التى تسمى باللغة القبطية .. بين لغة مصر القديمة وبين اللغة اليونانية لغة البلاد الرسمية التى فرضها المحتل على شعب مصر منذ غزو الإسكندر الأكبر لها عام 331 ق.م. إلى نهاية العهد الرومانى البيزنطى وبداية دخول الإسلام عام 641 م. .. وهل تلك اللغة المسماة بالقبطية كانت لغة مصطنعة .. أم لهجة أو عدة لهجات من اللغة المصرية القديمة الدارجة حُفظت لنا مكتوبة بحروف يونانية ..وهل تم اصطناع تلك اللغة لتسهيل اتصال المحتل بشعب مصر والسيطرة عليه بغرض استنزافه تحقيقا لأطماعه وأغراضه الإستعمارية .. أم هى لغة تم اصطناعها تسهيلا لأعمال التبشير بالدين النصرانى ولجعل الكتاب المقدس متاحا لأكبر عدد من أهل مصر القديمة .. أم أن المبشرين بالدين الجديد استغلوا وجود محاولات سابقة لإصطناع  مثل هذه اللغة ، فتركز اجتهادهم على تطوير تلك المحاولات لتسهيل اتصالهم بالشعب المصرى  ونشر دعوتهم ..

    نجد من قراءة تاريخ تلك الفترة المضطربة التى كانت أكثر فترات التاريخ المصرى اضطرابا وضياعا وتوهانا تحت الحكم الرومانى  .. أنه من السهل علينا أن نقرر أن اللغة القبطية التى بدأت تباشيرها تظهر مع بدايات القرن الثالث الميلادى .. لم تكن بالقطع تطورا أو امتدادا طبيعيا للغة مصر القديمة أو تطورا طبيعيا لطرق كتابتها التى ذكرناها من قبل .. والدليل المباشر على ذلك أن الأب النصرانى اليسوعى "كرشر" عندما ظن فى أواسط القرن السابع عشر أن اللغة القبطية التى تستعمل فى ممارسة طقوس كنيسة مصر الأرثوذكسية ، هى لغة تحفظ فى ثناياها اللغة المصرية القديمة ولكنها تُكتب بحروف يونانية ، وأخذ يقوم بناءا على هذا الظن ببحوث علمية فى هذه اللغة محاولا أن يرجع بها إلى اللغة المصرية القديمة فلم يفلح قط ..!! ، بل وتساءل عن اللغة المصرية القديمة : هل هى حروف أو أصوات أو معان ؟ وكيف يمكن قراءتها ؟ (سليم حسن / ص 126/ موسوعة مصر القديمة / جـ 1) .

    أى أن تفسير الكتابات المصرية القديمة كان سرا غامضا حتى على هؤلاء الذين كانوا يتمسكون فى بعض الأوقات باللفظ "قبط" و "أقباط" للدلالة على أصالة جذورهم المصرية .. رغم أن هذا اللفظ جاء مصر من خارجها فى أسوأ فترة من فترات تاريخها وتم فرضه إسما لشعبها فى فترة من فترات تدهورها تحت الإحتلال الرومانى .. وقد انتظر المصريون زمنا طويلا حتى تم اكتشاف حجر رشيد عام 1799 م  بالصدفة البحتة بعد غزو نابليون بونابرت لها. . وكان الحجر عبارة عن قطعة من أحجار البازلت منقوشا عليه ثلاث كتابات مختلفة ليس من بينها الكتابة بتلك اللغة المسماة بالقبطية ، وكانت إحداهما هى الهيروغليفية (الكتابة المقدسة) ، وثانيتهما الديموطيقية (كتابة الشعب) ، وثالثتهما الإغريقية (اليونانية القديمة) .. والكتابات الثلاثة عبارة عن مرسوم ملكى أصدره بطليموس الخامس عام 196 ق. م.  .. إلى أن جاء جان فرنسوا شمبليون وفك رموز اللغة المصرية القديمة فى 27 سبتمبر عام 1822 م.

    أى أن الفضل إلى كشف تاريخ الشعب المصرى القديم وثقافته يرجع إلى اكتشاف حجر رشيد وفك رموزه .. بما يعنى أن اللغة القبطية لم تحفظ لمصر تاريخها أو ثقافتها لأنها لم تكن امتدادا  أو تطورا طبيعيا للغة شعبها .. وبدون اكتشاف هذا الحجر وفك رموزه كان التاريخ المصرى القديم سيظل مدفونا تحت غطاء الجهل باللغة المصرية القديمة ..

    ونستخلص مما سبق أن اللغة القبطية تم اصطناعها لسبب آخر غير الحفاظ على تاريخ شعب مصر وثقافته .. وبالتأكيد لم يتم اصطناعها من أجل عيون مصر وشعب مصر وتاريخه وثقافته .. وإنما قد تم اصطناعها لأغراض خاصة وفى ظروف خاصة ... فما هى تلك الأغراض وماهى تلك الظروف ؟؟؟

       هناك فترة طويلة مريرة عاش فيها الشعب المصرى القديم .. بدأت تلك الفترة بغزو الفرس لمصر عام 525 ق.م. إلى عام 331 ق.م. تخللها خمسون عاما من التحرر ، ثم فتح الإسكندر الأكبر مصر فى نفس العام (عام 331 ق.م.) ، وبدأ بذلك العهد البطلمى الذى انتهى بانتحار كيلوباترة عام 30 ق.م. ، فأصبحت مصر تحت الحكم الرومانى حتى عام 395 م. ثم تحت الحكم البيزنطى إلى أن دخلها الإسلام عام 641 ميلادية .

    ولايذكر التاريخ المصرى فى تلك الفترة الطويلة المريرة التى امتدت لأكثر من ألف ومائة عام أن حاكما حكمها كان يتحدث لغة شعب مصر أو حاول تعلمها ، ماعدا الملكة كيلوباترة التى كانت تتحدث اللغة الديموطيقية بطلاقة وأحبها الشعب المصرى لذلك ، فقد كانت اللغة اليونانية هى لغة البلاد الرسمية طوال تلك الفترة ماعدا فترة الإحتلال الفارسى إلى أن فتح الله على مصر بالإسلام . وقد تمت محاولات مستمرة خلال تلك الفترة التى امتدت لأكثر من ألف عام لفرض ماارتبط بتلك اللغة اليونانية من ثقافة هللينية على الشعب المصرى القديم ، ولم يتقبلها الشعب المصرى الأصيل وحافظ على تقاليده وثقافته .

    وتميزت فترة الإحتلال الرومانى البيزنطى بالإستنزاف الوحشى لموارد مصر الزراعية مع  فرض مزيد من القهر والإذلال لشعبها ، وكان لابد مع تمسك المصرى القديم بلغته وتقاليده وعزوفه عن تعلم اللغة اليونانية أن يصنع المحتل لغة وسيطة سهلة عليه ، من أجل فرض مزيد من سيطرته ولتسهيل تسخيره للأهالى واستنزاف مواردهم ، وذلك لصعوبة تعلمه لغة الشعب ولهجاته ، فبدأ المحتل بمحاولات لكتابة بعض اللهجات المصرية المحلية بالأبجدية اليونانية .. وقد أجمع الكثير من مؤرخى تلك الفترة على وجود مثل تلك المحاولات لكتابة بعض هذه اللهجات بالأبجدية اليونانية ترجع تاريخها لنهاية القرن الأول الميلادى ، أطلق عليها المؤرخون إسم " النموذج الأولى للغة القبطية " أو اللغة البروتوقبطية Proto-Coptic ، وكان قد شاع على لسان المحتل كلمة "إيجيبتوس" إسما لمصر التى تم منها اشتقاق اللفظ "قبط" إشارة لشعب مصر .

     كما أجمع المؤرخون أن لغة بعض المجتمعات النصرانية التى بدأت تظهر لأول مرة فى مصر فى القرن الثالث الميلادى لم تكن سوى اللغة اليونانية .. أى أن تلك المجتمعات الناشئة لم تفكر فى تعلم لغة الشعب المصرى تقربا منه أو حبا له ولمصلحته ، كما لم تفكر فى بذل أى محاولات لتطوير البروتوقبطية ، كما لايوجد أى دليل تاريخى على وجود جمهور نصرانى ملحوظ وله قيمة حتى منتصف القرن الثالث الميلادى ، وبقى العنصر النصرانى فى مصر ممثلا فى أقلية ضعيفة حتى بداية القرن الرابع الميلادى ، وقد نشأ هذا العنصر فى مصر متصلا بالثقافة الهللينية أى بالفكر والثقافة اليونانية ومتأثرا بها . (المصدر :Gustav Bardy ; “ Evidence for Christianity in Egypt during the Roman Period” ; Paris 1940 .ونذكر أيضا أنه حين جاء القديس مرقص إلى مدينة الإسكندرية قادما من روما فى الخمسينيات من القرن الأول الميلادى ، كانت دعوته إلى الدين النصرانى قاصرة على يهود الإسكندرية الذين يتحدثون اللغة اليونانية ، وقد كانت فى بدايتها محظورة على الأمميين Gentile أى على غير اليهود ، إلى أن قتله واحد من يهود الإسكندرية عام 68 ميلادية .

    كما نذكر أيضا أنه حتى انعقاد المجلس الخلقدونى Council of Chalcedon فى عام 451 ميلادية كانت لغة الكنيسة فى مصر هى اللغة اليونانية ، وهذا المجلس هو رابع مجلس مسكونى انعقد فى مدينة خلقدون فى آسيا الصغرى ، وتعتبر قراراته أساسا للعقيدة النصرانية .

    مؤدى ماسبق ، يمكننا القول بأن الدعوة إلى الدين النصرانى ، لم ترتبط فى بداياتها الأولى بلغة أهل مصر كما لم ترتبط بشعب مصر باعتباره من الأمميين . وكان يعنى هذا بالنسبة للنصارى الجدد انغلاق دعوتهم على من يتحدثون باليونانية وعلى اليهود فقط .. فكان لابد لنشر دعوتهم على نطاق أوسع وإمكان التبشير بها بين المصريين ، اللجوء إلى النموذج اللغوى البروتوقبطى الذى اصطنعه المحتل الرومانى ليكون اللغة الوسيطة بينه وبين أهل مصر ولجعل الكتاب المقدس متاحا للمصريين ، ذلك لأن النصارى الجدد وجدوا نفس الصعوبة التى وجدها المحتل فى تعلم اللغة المصرية القديمة ، فبدأ منذ ذلك الوقت ارتباط جزء من تاريخ تلك اللغة الوسيطة المصطنعة بنشاط الدعوة إلى الدين النصرانى .. وقد ساعد المناخ الإجتماعى الذى كان يعيشه المصريون على تقبل تلك الدعوة ، فقد كان المصريون يعيشون ظلما لاحدود له وقهرا وفقرا تحت الإحتلال الرومانى لم يعيشوه من قبل ، فأنتج هذا المناخ الظالم الكريه فراغا روحيا جعلهم على استعداد لتقبل الدين الجديد إحياءً لعقيدتهم القديمة فى البعث والحياة بعد الموت ، كما أغراهم على تقبل الدين الجديد ماوجدوه أيضا من تشابه فى عقيدة الثالوث النصرانى بالثالوث المصرى الشهير أوزوريس وإيزيس وحورس .

    وكان الصراع مستمرا بين النصارى الجدد فى مدينة الإسكندرية من جهة ، وبين الوثنيين والجالية اليهودية وطائفة الأسينيين Essenism الذين عُرفوا بإسم "الإنطوائيين" من جهة أخرى . فملأ هذا الصراع مدينة الإسكندرية فى هذا الوقت بالعجب والغرائب وتناقضات العقائد والمذاهب للفرق الدينية الغامضة التى تستلهم عقيدتها من تعاليم موروثة عن آلهة اليونان وآلهة مصر القديمة وفلسفات أفلاطون وفيثاغورس ، بحيث يمكن القول أن سكان مدينة الإسكندرية فى هذا الوقت كانوا خليطا غريبا متصارعا من مختلف الديانات والمذاهب ، كان أغلبه من الغرباء على شعب مصر ، واستمر هذا الوضع مشتعلا إلى أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين الأول الدين النصرانى عام 313 ميلادية فبدأ عصر جديد للتسامح الدينى ، انتهت عنده موجة الإضطهاد الدينى للنصارى ولغيرهم فى أنحاء الإمبراطورية ، ثم مالبثت أن تحولت مستعمرات الإمبراطورية الرومانية بعد ذلك من إقطاعيات إلى أسقفيات ومطرانيات ومنها كانت الأسقفية المصرية Diocese of Aegypten ، وأصبح الدين النصرانى هو الدين الرسمى للإمبراطورية فبدأ عصر جديد لمدينة الإسكندرية .

    ومع منتصف القرن الرابع الميلادى أصبحت الكنيسة المصرية أكثر تنظيما ، وبدأ النصارى الجدد فى تطوير النموذج اللغوى البروتوقبطى الذى اصطنعه المحتل الرومانى ، بأن زاد نشاطهم فى تسجيل اللهجات العامية المصرية على اختلاف مناطقها بالأبجدية اليونانية للمساعدة فى تنصير المصريين .. إلى أن تم إعلان استقلال الكنيسة المصرية عن الكنيسة الأرثوذكسية عام 451 ميلادية بعد اجتماع المجلس الخلقدونى الذى أشرنا إليه من قبل ، وإعلان اللغة البروتوقبطية  لغة للكنيسة المصرية بعد تطويرها إلى مايسمى باللغة القبطية كأحد نتائج هذا الإجتماع .. وكان من نتائج هذا الإجتماع أيضا هو ماحدث من انقسام لنصارى مصر إلى قسمين ، قسم يعتقد فى الثالوث المقدس ويتبع الكنيسة المصرية المستقلة ، وقسم آخر يعتقد فى الطبيعة الواحدة monophysitism للمسيح عليه السلام (طائفة المونوفيسين)  ويتمسك باللغة اليونانية كلغة للطقوس الدينية ، ويتبع البطاركة البيزنطيين (بيزنطة مدينة فى تركيا ، أنشأ الإمبراطور قسطنطين الأول مكانها مدينة القسطنطينية لتكون عاصمة جديدة لإمبراطوريته ، والتى أصبحت بعد ذلك معروفة بإسم "استانبول" فى عام 1453 م تحت الحكم العثمانى) .

    وتقول دائرة المعارف البريطانية (الطبعة 11) أن القسم الآخر التابع للبطاركة البيزنطيين كانت له الغلبة والغالبية فى مدينة الإسكندرية فى ذلك الوقت ، فبدأ عصر جديد من الإضطهاد مارسه هذا القسم بعنف على القسم الذى يعتقد فى الثالوث المقدس . وبلغ هذا الإضطهاد قمته عندما شاركت ثيودورا فى الحكم الإمبراطورى حتى مماتها عام 548 م ، وكانت ثيودورا تكن لمدينة الإسكندرية بغضا مقيتا إلى الدرجة التى أمرت فيها بإضرام الحرائق فى أنحاء المدينة عدة مرات . وكان يُعرف عن ثيودورا تأييدها المطلق وتعصبها المتشدد لفريق المونوفيسين القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح عليه السلام ضد الفريق القائل بطبيعة المسيح الثلاثية .

    وفرض هذا الإضطهاد والتعنت ضد الفريق القائل بالطبيعة الثلاثية العزلة عليه ، مما جعله يلجأ إلى كتابة اللاهوت والطقوس الدينية بلغة مختلفة عن اللغة اليونانية ، فكانت هى اللغة القبطية المصطنعة بعد تطويرها ، ونذكر لمجرد عرض الآراء فى شأن نشأة اللغة القبطية أن المؤرخ توماس لامبدين Thomas O. Lambdin قد تجنب فى كتابه بعنوان "مقدمة للصعيدية القبطية" Introduction to Sahidic Coptic (الناشر : Mercer University Press 1983 ) التعرض لتقرير أصل النشأة الأولى للغة القبطية وقال : " لاأحد يعرف على وجه الدقة هلى تم استخدام الأبجدية اليونانية لكتابة اللهجات المصرية المحلية عن طريق المبشرين بالدين النصرانى أولا ، أم أنهم أى المبشرين استغلوا حقيقة وجود هذا النظام فى كتابة اللهجات المصرية فطوروه بما عُرف بعد ذلك باللغة القبطية لجعل الكتاب المقدس متاحا لدى المصريين " .. ولكنه عاد فأشار فى كتابه إلى وجود بعض الأدلة على محاولات أولية ترجع للقرن الثانى الميلادى لنسخ بعض اللهجات المصرية بطريقة مختزلة باستخدام الأبجدية اليونانية ، وأطلق مؤرخوا اليونان والغرب على تلك المحاولات لفظ "البروتوقبطية" .

    ويقول المؤرخ الأثرى جونسون فى كتابه " النظام المنطوق للغة الديموطيقية" The Demotic Verbal System أنه لاحظ بعد فحصه لكثير من البرديات المكتوبة باللغة الديموطيقية ، أن هناك فرقا واضحا وكبيرا بين اللغة الديموطيقية وبين اللغة القبطية ، فلم تكن اللغة القبطية نقلا أو نسخا للكتابات الديموطيقية بأبجدية يونانية ، ولكنها كانت نسخا مختزلا لبعض ماينطقه المصريون من لهجات مختلفة تأثرت كثيرا بلهجات ولغات أجنبية انتقلت إليهم عبر التاريخ الإستعمارى الطويل ونتيجة لإختلاطهم المتكرر بموجات الهجرة السامية المختلفة . وقال أن العوامل الإجتماعية والإستعمارية ورغبة المحتل فى تسخير المصريين هى التى خلقت الإحتياج لإصطناع تلك اللغة القبطية نظرا لصعوبة تعلم اللغة الديموطيقية عليه وعلى الغرباء الجدد من النصارى ، وأنه رغم اصطناع هذه اللغة الجديدة ، إلا أن المصريين احتفظوا بلغتهم الديموطيقية وكانت هى لغة الكتابة عندهم ، واستمرت كلغة منطوقة عند طبقة المحافظين وعند الطبقة البيروقراطية المصرية حتى الفتح العربى الإسلامى . ويستمر جونسون بالقول أن اللغة الديموطيقية احتفظت بنقائها وأصالتها إلى حد كبير فى صعيد مصر ، حيث لم يختلط أهله كثيرا بلغة وثقافة الغرباء والمحتلين ، فى حين أن لغة أهالى الوجه البحرى الدارجة كان يغلب عليها كثرة استخدام الكلمات اليونانية .

    ويقول الدكتور بولس عياد عياد وهو أستاذ فى قسم دراسة المجتمعات البشرية بجامعة كلورادو : أن اللغة القبطية لم تُصنع لتكون لغة واحدة منطوقة للشعب المصرى القديم .. فقد اتضح من دراسة المخطوطات والنقوش القديمة أن اللغة القبطية كانت نَسخاً  مختزلا للهجتين رئيسيتين من لهجات الشعب المصرى القديم مكتوبا بالأبجدية اليونانية ، الأولى هى اللهجة الصعيدية الدارجة Sahidic Dialect والثانية هى لهجة الوجه البحرى الدارجة Boheiric Dialect . وكانت لهجة الوجه البحرى هى اللهجة الدارجة لسكان مدينة الإسكندرية ومدن الدلتا ووادى النطرون .. وتم بتلك اللهجة كتابة تراتيل وأناشيد الكنيسة المصرية التى مازالت تتردد حتى اليوم كطقوس فى الكنيسة المصرية ماعدا ترتيلة hymn واحدة . أما لهجة أهالى الصعيد فقد انقسمت بعد ذلك فى اللغة القبطية المصطنعة إلى لهجة صعيدية دارجة من مدينة البهنسة (بمحافظة بنى سويف الحالية) وحتى مدينة أسيوط ، وإلى لهجة فيومية دارجة Faiyumic لأهالى الفيوم ، وإلى لهجة أخميمية دارجة لأهالى أخميم .. ثم حلت اللهجة الصعيدية الدارجة محل اللهجة الأخيرة بعد ذلك ..

    أى أنه يمكن القول فى النهاية أن اللغة القبطية كانت نسخا مختزلا بالأبجدية اليونانية للهجتين دارجتين أساسيتين للشعب المصرى القديم ، وأن مدينة الإسكندرية قد فرضت بأغلبية سكانها الناطقين باللغة اليونانية على آباء الكنيسة المصرية ولوقت طويل أن يسجلوا باللغة اليونانية كل ماكتبوه عن اللاهوت وأمور الدين ،  وأن يمارسوا طقوسهم كذلك باللغة اليونانية ، إلى أن تم نسخ كل ذلك إلى اللهجات المصرية الدارجة بما يسمى باللغة القبطية بأبجديتها اليونانية مع إضافة  سبعة أحرف صوتية من اللغة الديموطيقية .

    أى أن اللغة القبطية وبهذا الشكل الذى أوضحناه من قبل ، قد تم اصطناعها خصيصا فى البداية لتحقيق مصالح المحتل الرومانى وأغراضه الإستعمارية ، ثم استغلها بعد ذلك المبشرون بالدين الجديد وطوروها كوسيلة اتصال بالشعب المصرى تحقيقا لمصلحتهم فى نشر الدعوة . بما يعنى أن هذه اللغة لم تصطنع خصيصا من أجل مصر أو من أجل الحفاظ على تراثها القديم أو على ثقافة وحضارة أهلها منذ فجر التاريخ ، ولم تنشأ تلك اللغة امتدادا أو تطورا طبيعيا للغة مصر القديمة المكتوبة على أوراق البردى والمحفورة على المسلات وكتل الحجارة .. وكان دليلنا على ذلك ماسبق الإشارة إليه بأن المصريين قد انتظروا زمنا طويلا حتى تم اكتشاف حجر رشيد عام 1799 م عن طريق الصدفة البحتة ، ثم جاء شمبليون عام 1822 م وفك رموز اللغة المصرية القديمة ، فكان هو صاحب الفضل فى كشف تاريخ الشعب المصرى القديم وثقافته وحضارته .

    وأخيرا جاء عمرو بن العاص عام 639 م فاتحا لمصر فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ومعه أربعة آلاف رجل فقط ، أكثرهم من الصحابة وحفظة القرآن الكريم . ويقودنا المنطق البسيط إلى أن هذا العدد البسيط من الرجال فى هذا الزمن الذى كان يعتمد فى الأساس على كثرة العدد فى الحروب والقتال ، لايمكن بأى حال من الأحوال اعتباره جيشا مجيشا جاء إلى مصر للقتال والحرب واستعراض القوة . حتى عندما قفلت مدينة الإسكندرية أبوابها فى وجه عمرو بن العاص ، وكانت قلعة للدين النصرانى فى ذلك الوقت مفتوحة على البحر دون حصار ، لم ينقطع عنها المدد والدعم من البيزنطيين ، تركها عمرو بن العاص ولم يقتحمها ، إلى أن سمع أهلها بسماحة الإسلام والمسلمين ، وأن أساس دعوتهم أن لاإكراه فى الدين ، فاطمأنت قلوب أهلها وفتح أسقفها أبوابها للمسلمين فى 8 نوفمبر عام 641 م .

    ويبقى سؤال يبحث عن إجابة ..؟؟ .

    إن كانت مصر قد رضخت تحت احتلال قاهر متسلط  لأكثر من ألف ومائة عام إلى أن دخلها الإسلام عام 641 م ، وتعرضت خلال هذا الزمن الطويل لضغوط قاسية ومحاولات عديدة لفرض ثقافة البطالمة الهللينية ولغتهم اليونانية ، ثم تعرضت للإبتزاز والقهر والهوان  وسوء المعاملة تحت الحكم الرومانى والبيزنطى .. وكانت اللغة اليونانية هى لغة البلاد الرسمية المفروضة على مصر خلال كل هذا الزمن ولأكثر من ألف عام متصلة ، ومع ذلك كله صمد الشعب المصرى الأصيل ، ولم يستخدم اللغة اليونانية وأبجديتها كما استخدمها النصارى الجدد ،  واحتفظ بلغته وسجل بها وبأبجديتها كل شؤونه حتى دخل الإسلام البلاد ..

    فما هى المعجزة التى جعلت الشعب المصرى يتخلى عن لغته وأبجديته وينطق لغة القرآن ويكتب بالأبجدية العربية .. أقول أننا لسنا من الغباء لنقول أنه بسبب قهر المسلمين العرب لهم ، فقد تعرض المصريون من قبل لظلم وقهر لاحدود لهما أكثر من ألف عام متصلة وتمسكوا بلغتهم وبأبجديتها ..

    إنه سؤال يحتاج إلى باحث متخصص ومحايد يعيد قراءة التاريخ من جديد ، فقد تعرض للأسف تاريخ مصر وتاريخ الإسلام إلى كثير من الحقد والتزييف والتشويش ، ومازالت الحملات المسعورة ضد التاريخين مستمرة ... 


    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2006/08/19]

    إجمالي القــراءات: [247] حـتى تــاريخ [2017/06/24]
    التقييم: [100%] المشاركين: [2]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 100%
                                                               
    المشاركين: 2

    مواضيع ذات علاقة
    الإسم مصر وليس إيجيبتوس
    المقـالات
  • الـلـغــــة الـقـبـطـيــــة
  • الإسم (مصر) وليس (إيجيبتوس)
  • الطائفية .. دليل إدانة للجميع
  • إفتكـــاسة
  • كيف نوقف العنف ضد الأقباط؟
  • ماذا نريد نحن الأقباط
  • عفواً يا قبط مصر .. من أنتم؟!!
  • خطر اللعب على وتر الفتنة والتفرقة بين الناس
  • ©2006 - 2017 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]