دليل المدونين المصريين: المقـــالات - التَّطبيع ضرورة أَم خيار ؟
دليل المدونين المصريين
MBD - ver: 6.0.0
بشأن قرار إعتبار حماس تنظيم إرهابي   بيان إعلامى بشأن أحداث ستاد الدفاع الجوي   «الأوقاف» تكشف عن «كنزها»: أصولنا المالية ركيزة اقتصادية   قرار جزب الإستقلال بالإنسحاب من التحالف من الإخوان   وداعا سعد هجرس ..   تكذيب من أحمد الخميسي لما نشرته بوابة نيوز على لسانه   ديوان الشاعر الراحل أحمد عبد الحكم دياب   رحيل يوسف سامي اليوسف   في وداع القائد الأممي هوجو تشافيز   وداعاً د. رشدي سعيد  
أعياد ميلاد  Dr Ibrahim Samaha   princess   بنية آدم 

أجندة المنــاسبــات

 << السابق     ديسمبر 2018   التالي >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31

أحدث الموضوعات في الموقع


أقسـام الموقــع

  الصفحة الرئيسة
  مـن نحــن
  الأرشيف والملفــات
  الكتـّـاب
  الموضوعات الإخبارية
  ألبـومات الصور
  حمـلات التوقيع وإستطلاعـات الرأي
  البث المباشر

دليل المدونات ومنظمات المجتمع

المدونون (167)
جماعات الإصلاح­ (35)
الأحـزاب (14)
الصـحف والمجلات (19)
أماكن عامة (12)
منظمات مدنية (9)
مجموعات حوار (7)

وظـائف زوار الموقع

  مدونــات الأعضاء
  تغـريدات الأعضـاء
  سـاحة الزوار - مدونة عامة
  أضف نموذج البحث إلى موقعك
  كروت مناسبات
  إتصــل بنا
  أسـئلة وأجوبة
  أخبر صديق
  الروابط الخارجيـة

روابط خارجية

  •   أرشيف دليل المدونين المصريين
  •   اللجنة الشعبية للإصلاح
  •   الكلمة الأخـيرة
  •   الثـورة الشعبية
  •   تغريـدات مصــرية
  •   دار برمجيــات هلال
  • علم العروض
  •   خواطر بحار

  • بحـث في دليل المدونين المصريين
    إبحــث

    الإشـتراك في النشـرة اليـومية
    الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

    تسجيل دخول عضو
    كود العضو:
    كلمة السر:
      دخول
      نسيت كلمة السر؟
      تسجيل عضو جديد

    Ezzat Helal | Create Your Badge


    Locations of visitors to this page
      قائمة أحدث المقالات
      إبحــث
      السياسة والرأي
      أدب وفن
      دراسات وتحقيقات
    التصنيف: السياسة والرأي
    التَّطبيع ضرورة أَم خيار ؟
    الدكتور عزت السيد أحمد
      راسل الكاتب

    ولذلك نحن مقتنعون تماماً بأَنَّ التَّطبيع في حقيقته؛ أَوَّله ترصيع وأَوسطه تجويع وآخره تطويع. لأنَّ ما تريده إسرائيل ليس السلام أبداً، ولا التطبيع بالمعنى الذي يمكن أن يفهم منه أبداً أيضاً، وإنَّما الذي تريده هو تهويد العقل العربي كما استطاعت أن تفعل مع
      التعليق ولوحة الحوار (0)
      طباعة المقالة
      إرسل المقالة بالبريد الإلكتروني
    عنوان هذه الصفحة هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
    http://www.misrians.com/articles?1038
    في التطبيع من جديد

    التَّطبيع ضرورة أَم خيار ؟
     
    ***
     


    تجعل إسرائيل التَّطبيعَ مِحكًّا لا لإثبات حسن النَّوايا العربيَّة تجاه السَّلام وحسب بل شرطاً لإتمام العمليَّة السِّلميَّة. أَمَّا العرب ـ شعباً دون الحكومات، وقلَّة من الحكومات ـ فيفصلون فصلاً قطعيَّاً، ربَّما لا مجال للنِّقاش فيه، بين السَّلام والتَّطبيع، والحجَّة منطقيَّة هي؛ هناكَ كثيرٌ من الدُّول لا يوجد أَيُّ احتمالٍ للحرب بينها وهي مسالمةٌ ومتسالمةٌ، ولكنَّها غير متبادلةِ التَّمثيل السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي ...

    فلماذا تصرُّ إسرائيل على مثل هذه النَّافلة، والنَّافلة ـ والله أَعلم ـ يمكن الاستغناء عنها ولا وزر؛ نحن نريد السَّلام وندين الحرب ولكنَّنا لا نريد التَّطبيع.

    الحقُّ أَنَّ هذا الكلام حجَّة لا غبار عليها وهي منبثقةٌ من صلب المنطق الذي لا يمكن نكرانه. ولكن ليس في مثل السَّلام العربي الإسرائيلي، لأَنَّ العلاقة أَصلاً بين العرب وإسرائيل علاقة استثنائيَّة منقطعة النَّظير  في التَّاريخ .... إنَّ ما بين العرب وإسرائيل شلاَّلات دماء وأَعداد لا تحصى من القتلى والشُّهداء، وقيام السَّلام ـ من وجهة نظر الإسرائيليين ـ دون تطبيع العلاقات، الذي يكفل وحده ـ حسب نظرهم أَيضاً ـ إزالة آثار الدِّماء ؛ ما جفَّ منها وما لم يجف بعد، لن يكون إلاَّ بمثابة هدنة لا يكسب الإسرائيليون منها إلاَّ صفعةً على صحن الخدِّ ترنُّ مدى الحياة في آذانهم من حيث استرداد العرب ـ باسم السَّلام ـ بعضاً غير قليل من أَراضيهم في الوقت الذي لا يمكنهم ذلك على أَرض المعركة. وعلى هذا الأَساس؛ عندما تطالب إسرائيل بالتَّطبيع فإنَّها منطقيَّةٌ أَيضاً بطلبها ومنطقيَّةٌ بحججها، فكيف سيقتنع الإسرائيليون بأَنَّ العرب جادُّون في السَّلام وهم لا يريدون تطبيع العلاقات وفتح أَبواب التَّبادلات: الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة والسِّياحيَّة ... ؟!

    إذا أَردنا أَن تكون عقولنا متوافقة مع ذواتها ينبغي علينا الإقرار بأَنَّ إسرائيل محقَّة في دعواها هذه، ولكن بشرط أَوَّلي لا غنى عنه، وهو أَن تكون إسرائيل دولة فعلاً. ولقد انتزعت اعترافاً بذلك من الدُّول العربيَّة بمجرَّد الدُّخول في المفاوضات. فهل انتهت المشكلة بذلك ؟

    لو توقَّف الأَمر عند هذا الحدِّ فقط؛ أَعني لو أَنَّ إسرائيل تريد إزالة آثار مستنقعات الدِّماء المستنزفة في الصِّراع العربي الإسرائيلي وحسب للوصول إلى تعايش سلمي خالٍ من الضَّغائن والأَحقاد، لقلنا: إنَّ إسرائيل مُحقَّةٌ في إصرارها على التَّطبيع، وربَّما لُمنا مناهضي التَّطبيع، ولكن المشكلة أَعمق من ذلك وأَبعد غوراً.

    يعلم أَنصاف المثقَّفين العرب، ولا أُبالغ إذا قلت إنَّ الأُمِّـيِّين يعرفون أَيضاً أَنَّ غرس إسرائيل في قلب الوطن العربي لم يكن من تفكير اليهود بقدر ما كان تخطيط الدُّول الاستعماريَّة الكبرى التي كانت تضع مشاريعها للسَّيطرة على الوطن العربي، وفي المدى البعيد لإبقاء هذا الوطن متخبِّطاً في ضعفه مُنتَهَكاً مُختَرَقاً مجزَّءاً. وكانت المخطَّطات كثيرة والمؤتمرات والمقترحات أَكثر، وأَهمُّ ما في مقرَّرات هذه المشاريع وأَخطرها على الإطلاق هو زرع كيان في قلب هذا الوطن؛ يستنزف طاقاته وإمكاناته ويحول دون وحدته، لأَنَّ وحدته تعني بالنِّسبة لهم ـ على أَقلِّ تقدير ـ قطع طريق هيمنتهم وتفرُّدهم بقطع أَنهر الخير المتدفِّقة عليهم، فيما خلا عوامل أُخرى كثيرة تظلُّ مأخوذة بعين النظر.

    هذا الكلام كلُّه كان من ضمن المخطَّطات بعيدة المدى للانقضاض على الرَّجل المريض (الإمبراطوريَّة العثمانيَّة) وتركته. والحيلولة دون قيام أيِّ دولة عربية موحدة بأي صورة من الصور، لما تحمله الأمة العربية من إمكانات قوة على مختلف المستويات.

    هذا الكلام ليس للاتجار ولا للاستعراض، وإنَّما هو حقيقة الأمر تماماً، وهذا هو بالتحديد ما كانت تفكر فيه الدول الاستعمارية الناشئة. وقد أقر الصهيوني لويس جولدنج «أنَّ الحركة الصهيونية كانت منذ البدء حركة إنجليزيَّة».

    إنَّ الخصائص والإمكانات التي تتمتع بها الأمة العربية على الصعيد الفكري والثقافي والهوية تجعلها قادرة على النهوض بوتائر متسارعة، والسيطرة من ثمَّ على طرق التجارة، وحرمان الدول الاستعمارية من أسواق كبيرة، وفوائض دخول، بما يعني تحجيم قدراتها على التقدم، من خلال تحجيم الفرص المتاحة أمامها. ولذلك كان التفكير معظمه منصباً على كيفية منع هذه الأمة من النهوض بأي وسيلة ممكنة.

    بدأت هذه المشكلة تحديداً في الظهور، ولفت الانتباه، عندما تحطمت جحافل نابليون على أسوار عكا، وهذا ما عنى لفرنسا أن مصالحها، وطموحاتها، ومخططاتها الاستعمارية، ستكون مهددة أمام أمة لها هذا العمق الجغرافي والاستراتيجي، فما كان نابليون بونابرت إلاَّ أن أطلق نداءه الشهير وهو على أسوار عكا في الرابع من نيسان 1799م، ودعا فيه يهود آسيا وإفريقيا إلى أن يهرعوا إلى رايته ليدخلوا أورشليم. وقد نشر هذا النداء حينها في جريدة (غازيت ناسيونال) الرسمية الفرنسية.

    وبعد فترة أشهر فَقَطْ من هذا النداء وجَّه هارون ليفي الحاخام الأكبر للقدس نداءً «إلى اليهود لإعادة بناء أسوار المدينة اليتيمة؛ القدس، وبناء معبد الربِّ. وحثَّ اليهود على القدوم إلى فلسطين قائلاً: ليجتمع كل رجال الشعب اليهودي القادرين على حمل السلاح، وليأتوا إلى فلسطين». وبعد فترة قصيرة أيضاً قامت فرنسا بترتيب دعوة لليهود كي يجتمعوا في باريس، وكان الإيحاء لهم بالعودة إلى وطنهم الذي لم يحدد جغرافياً إلاَّ بأنه المنطقة التي تفصل عرب آسيا عن عرب إفريقيا.

    ومع حملتي محمد علي باشا بقيادة ابنه إبراهيم على الشام 1833م و1838م، واحتلال سوريا في الثانية، أصبحت فكرة إقامة كيان غريب في هذه المنطقة أكثر إلحاحاً للدول الاستعمارية، وعلى الرغم من أنَّ الإنجليز كانوا الأسبق من الجميع في التفكير والتخطيط لما بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، إذ بدأ تغلغلهم في الإمبراطورية منذ أوائل القرن الثامن عشر، إلاَّ أنَّ استخدامهم اليهود لتحقيق مآربهم ومخططاتهم كان لاحقاً على فرنسا، وقد جاء ذلك أيضاً من باب المنافسة بين الدولتين.

    وقد بدأت الاهتمامات الإنجليزية بتهجير اليهود إلى فلسطين منذ نطالع النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي قبل ولادة تيودور هرتزل مؤسس المنظمة الصهيونية بنحو نصف القرن. وقد سعت الحكومة البريطانية لدى السلطان عبد الحميد من أجل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وفي هذا الشأن «كتب وزير الخارجية الإنجليزي بلمرستون إلى سفير بلاده في الأستانة قائلاً:

    ويكون من مصلحة السلطان الواضحة أن يشجع اليهود على العودة إلى فلسطين، والإقامة فيها، لأنَّ ما سيحملونه معهم إلى البلاد من الثروة يزيد من موارد دولته، وأن الشعب اليهودي بعودته إلى البلاد بإذن السلطان وحمايته، وبدعوة منه، يكون ذلك حجر عثرة في سبيل أيِّ أهداف تخطر ببال محمد علي أو من يخلفه... ضع هذه الاعتبارات أمام أعين السلطة العثمانية بصفة سرية وابذل ما في وسعك بأن تقدم كل تشجيع ليهود أوربا لأَنَّ يعودوا إِلى فلسطين».

    من المؤكد أن حجر العثرة هذا ليس من أجل مصلحة السلطان العثماني أبداً، لأنَّ بريطانيا كانت الضالع الأكبر في التخطيط لانهيار هذه الإمبراطورية والانقضاض عليها، والرسالة الوثيقة هذه واضحة بما يكفي لتأكيد أنَّ الحركة الاستعمارية هي التي أوجدت إسرائيل من أجل غرض محدد كان متبلوراً منذ مخطط لويس التاسع الذي «وضع أهدافاً محددة أمام الغزو الصليبي للوطن العربي، وهي: تفريق العرب وتشتيتهم، وإثارة الخلاف السياسي فيما بينهم، والانتقاص من تراثهم وتشويهه وتحريفه، والغض من لغتهم، وازدراء تاريخهم، وتدمير مرتكزاتهم النفسية والفكريَّة والروحيَّة، وإضعاف طاقاتهم الاجتماعيَّة والاقتصادية والروحيَّة بالتغلغل الدعائي والثَّقافي والتَّوجيه والإيحاء التبشيري لتسهيل السَّيطرة السِّياسيَّة عليهم، وربطهم باتِّفاقات ومعاهدات تنتقص من سيادتهم، وتحدُّ من استقلالهم، وتتيح التَّدخل المباشر في شؤونهم، وتسمح بالتَّسلط الفعلي عليهم، وتستغل المنافسات فيما بينهم للحصول امتيازات سياسيَّة، دينيَّة، اقتصاديَّة، ثقافيَّة، تحقق تجزئة العرب، وتفكك وحدتهم، وتشتت دولتهم، وتضعف تماسكهم السياسي وترابطهم الاجتماعي الروحي، وتواصلهم الثقافي والفكري، واندماجهم الاقتصادي والعسكري».

    ومما يؤكِّدُ أنَّ إسرائيل إنَّما هي صنيعة الدول الاستعمارية أكثر مما هي صنيعة اليهود أنفسهم، أو حتَّى المنظمة الصهيونيَّة، على الرُّغم من أنَّ الأرض المقدسة فلسطين قد راودت أذهان كثير من اليهود بوصفها أرضاً مقدسة لا بوصفها وطنا قومياً، هو أنَّ «المنظمة الصهيونية العالمية لم تستقر على مكان محدد لإقامة (الوطن القومي) حتَّى المؤتمر الحادي عشر الذي انعقد في فيينا عام 1913م». ففي المؤتمر الصهيوني الخامس «كانت المناقشة مخصوصة لدراسة إمكانية إقامة الدولة اليهودية في أوغندا، وسمي المؤتمر بمؤتمر أوغندا».  ومما خرج به المؤتمر السابع المنعقد في بال عام 1905م: «تبني فكرة تنمية استيطان اليهود في أيِّ جزء ملائم من العالم».

    أي إنَّ هرتزل مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية مات ولم يصل إِلى قرار بأن تكون فلسطين هي أرض الدولة اليهودية، وقد أقر أنَّه يناضل من أجل اعتراف أوربا بدولة من دون تحديد مكان. ولو أن ثمَّة إجماع أو مجرد شبه إجماع، أو حتَّى أكثرية، على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لليهود لما كان ثمَّة جدال لإحدى عشر مؤتمراً للمنظمة الصهيونية العالميَّة على هذا المكان.

    واستقر توافق المصالح الاستعمارية مع الحركة الصهيونية التي صنعتها الدول الاستعمارية؛ فرنسا، وألمانيا، وخصوصاً إنجلترة، من خلال مؤتمر كامبل بينرمان الذي انعقد في لندن ما بين 1905م و1907م لدراسة وضع الوطن العربي وآفاقه المستقبليَّة وكيفية التعامل معه. وبعد سنتين من الدراسة المفصلة، والمناقشات التي شارك فيها كبار أعلام الفكر الأوربي وعلماؤه في مختلف الميادين، والمسؤولون السياسيون والاقتصاديون، خرج المؤتمرون بقائمة طويلة تبين:

    «كيفية تمزيق الوطن العربي جغرافيًّا، وإضعافه اقتصاديًّا، وعلميا وثقافيًّ، وتمزيق وحدته بشـريًّا، لأنَّها رأت في وحدته وقوته نفياً لوجود الإمبراطوريات الاستعماريَّة. وقد حدد المؤتمر مجموعة من الوسائل والأساليب المختلفة التي يجب اتباعها والعمل على تنفيذها من قبل الدول الاستعمارية مجتمعة، وهي إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوربا بالعالم القديم، ويربطها معاً بالبحر الأبيض المتوسط، يجب أن تقوم في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوربيَّة».

    وليس من الغريب أبداً أن يقع الاختيار على اليهود للقيام بهذه المهمة، وليس من الغريب أيضاً أن تتفق الدول الاستعمارية على أن اليهود هم أصلح من يقوم بمهمة الجسم الغريب في الوطن العربي، فمن المتعذر العثور على شعب يقبل أن يقتلع من جذوره اقتلاعاً كليًّا ويقبل التخلي عن الأرض التي يعيش فيها غير اليهود، إضافة إلى أنَّ اليهود منبوذون في كل المجتمعات التي يعيشون فيها، بسبب أخلاقياتهم وسلوكياتهم وانعزاليتهم المريبة.

    وجاء وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1927م، ليحسم الجدل كله في الموضوع، إذ نظر في (تركة أَبيه له) وأَقطع اليهود منها إقطاعيَّةً، وغدت دولة اليهود المنتظرة هـي الحلم الذي يفكِّر فيه الاستعمار؛ البريطاني والفرنسي خصوصاً، وتوجَّهت أَنظارهم وفق هذه المعطيات.

    وبإنشاء إسرائيل ضرب الغرب عصفورين بحجر واحد، فلم تعد المسألة مسألة المحافظة على مصالح الغرب وحده بتفتيت الوطن العربي وشرذمته وإنَّما أَصبح هذا ما تُغرض إليه إسرائيل ذاتها، حتَّى وإن تخلَّى الغرب عمَّا كان يخطِّط له ويرجوه من إسرائيل، ولذلك سنتحامق إلى أَبعد حدود التَّحامق ونصدِّق أَوربا وأَمريكا وإسرائيل ونقول: نعم ليس من مصلحة الغرب ضعف الوطـن العربي، ولا يعنيه تجزُّأه ولا وحدته، ولم يعد يهمُّه ذلك الآن بعد التَّطوُّر التِّقاني الهائل الذي وصل الغرب إليه، وسنُكذِّب على أَنفسنا ونغمض أَعيننا عن سلاسل الحصار الفولاذيَّة المفروضة على العرب خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً من النَّاحية العلميَّة والتِّقانيَّة، والحساسيَّة المفرطة تجاه أَيِّ توجُّه لدينا من هذا النَّوع، هذا مع غضِّ النَّظر أَيضاً عن مشكلة التَّسلح النَّووي،  فهل تتخلَّى إسرائيل عن دورها هذا وتجنح إلى السِّلم الحقيقي مع العرب، ولا تحول دون وحدته، ولا تعارض تطوُّره وتقدُّمه ؟

    مرَّة أُخرى أَقول: إن استطاع العرب الحصول على ضمانٍ يقينيٍّ بأَنَّ إسرائيل لن تعرقل الوحدة العربيَّة، ولن تكبح التَّطور والتَّقدُّم ... فلا مانع البتَّة من التطبيع الكامل. على الرُّغم من أَنَّ الكراسي المجلَّلة بالحرير الوثير تكفل وحدها لإسرائيل ببتر التَّفكير بالوحدة وقطع دابر النهوض من تحت ركام التَّخلُّف والجهل وأَنقاضهما، إلاَّ أَنَّ هذا لا يقنع إسرائيل ولا يحول دون مضيِّها في مشروعها الأَمني.

    نعم نحن لا نعلم ماذا يحـدث في المفاوضـات تماماً، ولا نزعم ذلك، ولكن ليس يعجزنا التَّكهن به، واستقراءه من خلال المعطيات المعلنة، وما سنعلنه إن لم يكن مصرَّحاً به فعلاً فإنَّه المقصود بذاته من دون أَدنى شك.

    إنَّ ما ترفضه إسرائيل أَمراً واحداً لا غير وتقبل ما دونه، إنَّها ترفض الوحدة فَقَطْ، ولينعم كلُّ ملك وكلُّ رئيس بدولته، وليفعل ما يشاء ! أَليس يُسْعِدُ الحكَّام العرب ورعاياهم أَن يهنئوا ببعضهم بعضاً ؟! أَليس من مصلحة أَعراب الدُّول أَن يكون لكلٍّ منهم كيانهم المستقل ودولتهم التَّاريخيَّة التي سبقت الأَوَّلين والأَخيرين؟ وهل يهرب الإنسان من هذا الفخر ؟! هذا ما تريده إسرائيل فلماذا يقيم بعض العرب الدُّنيا ولا يقعدونها عندما يسمعون مثل هذا الطَّرح ؟

    لا تقبل إسرائيل أَن تقوم وحدة شاملة مهما كلَّفها ذلك من ثمن، وتريد أَن تكون صاحب القرار والوصي على أَيَّ وحدة أَو شبه وحدة جزئيَّة؛ تقبلها أَو ترفضها، وكَأَنَّهُ لا شأن لأَحد في ذلك سواهاً أبداً... إنَّها تريد أن تكون الوصي، وتتعامل على هذا الأساس.

    هذا ما تصرُّ عليه إسرائيل وهذا ما نرفضه بشدَّة، والتَّطبيع في حقيقة الأَمر لا يريد غير ذلك أَبداً؛ إنَّ ما لا يغيب عن بال يهود إسرائيل ولا يمكن أَن يغرب عن أَذهانهم أبداً أَنَّهم أربعة ملايين جاؤوا من أكثر من مئة دولة، من مختلف القارات، ويتكلمون نحو مئة لغة ولهجة؛ أنَّهم بريطانيون وفرنسيون وأَلمان وبولونيون وروس وأمريكان وأَفارقة وآسيون ...

    ويدرك مستوطنو فلسطين من اليهود تمام الإدراك أنَّهُم «لا يشكلون شعباً بالمعنى المفهوم لهذه الكلمة، فهم إلى الغالبية العظمى من القوميات، ولا توجد بينهم أيُّ علاقة مشتركة سوى الدين، ولو أحصينا عدد القوميات التي ينتسب إليها اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين، لوجدنا أنَّهُم يكادون ينتسبون إِلى جميع قوميات الجنس البشري ... ولَقَد عبر ميخائيل سلزر، وهو يهودي سفردي، عن هذا الوضع في كتاب له عمن أسماهم (منبوذي إسرائيل) بقوله:

    إنَّهُ على الرُّغـم من أنَّ كلَّ يهودي مهاجر إلى إسـرائيل يجذبه عاملٌ مركزي وهـو اليهوديَّة، فإنَّه توجد قوَّة طاردة داخلها تدفعه إلى الخارج، على صعيد حضاري واجتماعي وجنسي (عرقي)، فاليهود المهاجرون إلى إسرائيل يفكرون، ويتصرفون، وغالباً ما يتحدثون مثل اليمنيين أو البولنديين أو الألمان أو الأمريكيين...إلخ؛ كلٌّ بحسب البلد الذي هاجر منه إلى إسـرائيل، وهم يرددون قولاً شائعاً وهو: حين كنت في المجر (أو في أي مكان آخر)، كنت دائماً أعدُّ نفسي يهوديًّا، والآن وأنا في إسرائيل أشعر بأني مجري (أو أي شيء آخر)».

    وعن هذا المعنى تماماً علق ليسنج روزنوالد، رئيس المجلس الأمريكي لليهودية، على تصريحات بنجوريون الداعية إِلى عدم الاندماج والمحرضة على الهجرة، بقوله:

    «إنَّ من يستمعون إلى نصيحة بنجوريون بالهجرة إلى إسرائيل سيصبح لديهم فرصة أكبر لفقدان يهوديتهم في (القومية  الإسرائيلية) أكثر مما لو ظلوا في أمريكا وتعرضوا للذوبان».

    ويدرك اليهود تماماً أيضاً أَنَّهم أَقاموا دولـةً على أَرض دولة أُخرى؛ شعبها الأَصلي أَكثر منهم، وهذا الشَّعب الأَصلي حيٌّ لم يفن كما فني الهنود الحمر، وهو موجود على أَرضه، وأَرض هذه الدَّولة جزءٌ من أَرض أُمَّـةٍ تحيط بإسرائيل من كلِّ جانب. وهذا ما ينعكس تماماً في بنية المجتمع الإسرائيلي، وتركيبه، وتوزيع السكان، والعلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ضمن الكيان الصهيوني. وإذا كان ميخائيل سلزر قد قال ما قاله في عام 1967م، فإنَّ وضع إسرائيل بعد أكثر من ثلاثين سنة ليس أحسن أبداً، بل إنَّهُ أسوأ بكثير جداً عما كان عليه بسبب توع القوميات والعقليات والثقافات التي جاء منها اليهود.

    تعاني التجمعات اليهودية في فلسطين اليوم من انقسامات حادة على مختلف الأصعدة والمستويات، فكل قومية تعيش على طريقتها وهواها، وكثير من اليهود يرفضون لا التكلم بالعبرية وحسب، بل مجرد تعلمها. ولا توجد أي علاقات اجتماعية بين اليهود السفرديم واليهود الأشكناز واليهود الفلاشا، ولا سيَّما فيما يخص الزواج، حتَّى إن بعض الباحثين يؤكد أنَّه لا توجد حالة زواج واحدة بين هذه الطوائف اليهودية، ناهيك عن انشقاق اليهود ما بين علمانيين ومتدينين ومتطرفين، ووضع اليهود العرب على الجبهات المحيطة بإسرائيل ليكونوا كبش الفداء عند أي قصف أو معركة مع أي دولة مجاورة، وهذا ما يثير كثيراً من مشاعر الاستياء والحقد والتَّذمر تجاه اليهود الآخرين، وإن لم يقلل أبداً من حقد الجميع على العرب؛ هذا الحقد التكتيكي الرامي إلى عدم الركون إلى الأمان أبداً من جاه العرب.

    وبهذا المعنى أعلن موشيه منوحين، اليهودي الأمريكي، منذ نحو ثلث القرن، عن رفضه فكرة الشَّعب اليهودي، والقوميَّة اليهوديَّة، فكلاهما تزوير وتدليس، وقد كان ذلك في مقدمة أحد كتبه إذ قال: «إنَّهُ اختار لهذا الكتاب عنواناً هو: (انحلال اليهودية في عصرنا)، ولكنَّهُ كان يفضِّل أكثر أن يطلق عليه عنواناً آخر هو: (القومية اليهودية: جريمة وحشية وتاريخية ولعنة)، ثمَّ يتوجَّه إلى القارئ بقوله: أرجو أن تختار بينهما فكلا العنوانين سواء بالنسبة لي».

    ومثل هذا الانطباع أو الشعور منتشر في الأوساط الغربية التي صدرت اليهود إلى فلسطين، وقد بدأ التعبير عنه مؤخراً في الأوساط الإعـلامية، ولا سيَّما في ظل الانتفاضة الثانية، وبهذا المعنى ذكرت جريـدة الجارديان البريطانية في عدد الخميس 17/ 5/ 2001م، «أنَّ إسرائيل دولة عنصرية، وشبهتها بما كان سائداً في جنوب إفريقيا إبان الحكم العنصري، وقالت:

    إنَّ المهاجرين إلى جنوب إفريقيا من البيض، قدمـوا إلى البلاد من أنحـاء شتَّى من أرجاء المعمورة، لا تربط بينهم أي صلة، واليوم في إسـرائيل هناك المسـتوطنون الإسرائيليون القادمـون من شتَّى أنحاء العالم.

    وتابعت الجريدة تقول: إنَّ قانون الهجرة الإسرائيلي يقبل بقدوم أي يهودي بغضِّ النَّظر عن انتماءاته العرقية، ومواهبه، ومؤهلاته، فيأتي اليهودي الأمريكي من ولاية نيوجرسي على سبيل المثال ويتصرف في إسرائيل على أنَّه بطل حسب تعليمات التوراة، بينما كان يقف في بلاده على هامش الحياة...».

    ولذلك لن تشعر إسرائيل بالأَمان أَبداً ما لم تكن هي وهي وحدها صاحبة القرار والمبادرة في المنطقة، وكل جهود التَّطبيع تتجه لتصبَّ في هذا المعين:

    سيخسرون في البداية مادِّيـًّا، ويخسرون الكثير، سيقدِّمون البضائع الجيدة بأَرخص الأَسعار مهما خسروا حتَّى يسيطروا على السُّوق ويحطِّموا المنافسين، ويتحكَّموا من ثمَّ كيفما شاؤوا، وعندما يتحكَّمون بلقمتنا ورغيف خبزنا سيكون التَّطبيع قد حقَّق نتائجه لأَنَّنا إذ ذاك ـ كما يتوهَّمون ويخطِّطون ـ سننظر إلى إسرائيل على أَنَّها وليُّ نعمتنا وأَمرنا، ونحن مخدَّرون نتوارى وراء نظَّارتنا السَّوداء؛ قلوبنا تلهث وراء الرَّغيف وثغورنا ترسم ابتسامات الغرور والتَّكبُّر، ونغدو إذ ذاك كفقراء اليهود: تعساء في الدُّنيا أَشقياء في الآخرة.

    ولذلك نحن مقتنعون تماماً بأَنَّ التَّطبيع في حقيقته؛ أَوَّله ترصيع وأَوسطه تجويع وآخره تطويع. لأنَّ ما تريده إسرائيل ليس السلام أبداً، ولا التطبيع بالمعنى الذي يمكن أن يفهم منه أبداً أيضاً، وإنَّما الذي تريده هو تهويد العقل العربي كما استطاعت أن تفعل مع أوربا وأمريكا لأنَّها تمسكهما من اليد التي تؤلمهما، ومن الوثائق التي تدينهما معاً، ومن المصالح التي تحققها لهما معاً!!

    والذي يعنيه تهويد العقل العربي لا يختلف أبداً عن تهويد العقل الغربي، ويتمثَّل بالهيمنة على العقل العربي بالطَّريقة الصهيونيَّة، أي الوصول بالمواطن العربيِّ إلى مرحلةٍ يراقبُ فيها المرء عقله عندما يتَّصل تفكيره باليهود، فلا يجرؤ على سبٍّ ولا على لعنٍ، ولا على شتيمةٍ. بل حتَّى عندما يتَّصلُ الأمر بالآيات القرآنية، يجب على المسلم ألا يقترب من الآيات الَّتي تلعن اليهود، أو تتحدَّث عنهم بمكروهٍ، وقد لا حظنا كيف أنَّ من شروط السَّلام مع مصر عدم إدراج الآيات القرآنية الَّتي تتحدَّث عن اليهود ضمن المناهج الدراسيَّة، وكذلك الأمر في الأردن، وها هي الولايات المتحدة تخرج علينا أخيراً بمطلبٍ فاضحٍ واضحٍ صريحٍ يقول:

    على الدُّولِ العربيَّة

    إلغاء تعليم الديانة الإسلاميَّة في المدارس

    وإغلاق المعاهد الدينيَّة

    لأنَّ الإسلام يحضُّ على الجهاد ومحاربة إسرائيل.


    الدكتور عزت السيد أحمد

     
    نشر هذا الموضوع في كتبنا انهيار أسطورة السلام الذي صدر في طبعته الأولى عام 1996م وفي طبعته الثانية عام 2003م ونعيد نشره للضرورة على هامش نهضة الدعوات التطبيعية واستمرارها، وقد حذفت الحواشي للضرورة.


    نشــرها [عزت هلال] بتــاريخ: [2008/07/23]

    إجمالي القــراءات: [194] حـتى تــاريخ [2018/12/11]
    التقييم: [100%] المشاركين: [2]

    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    شـارك في تقييـم: التَّطبيع ضرورة أَم خيار ؟
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 100%
                                                               
    المشاركين: 2
    ©2006 - 2018 [دليل المدونين المصريين] إنطلقت في: يونيو 20، 2006 MBD - الإصـدار: 6.0.0 [برمجـيات هـلال]